التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٥ - حديث الإمام الرضا عليه السلام مع سليمان المروزي(متكلم خراسان)
قال سليمان: زدني، جُعلتُ فداك!
فذكر له الإمام عليه السلام قصّة الملك الإسرائيلي، حيث أخبر اللّه نبيّه أن أبلغ فلانا الملك أنّي متوفّيه، فجعل الملك يتضرّع إلى اللّه، حتّى دفع اللّه عنه السوء.
ثم التفت إلى سليمان وقال له: أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب! قال سليمان:
أعوذ باللّه من ذلك: وما قالت اليهود؟
قال الإمام: قالت: يداللّه مغلولة. يعنون أنّ اللّه قد فَرَع من الأمر، فليس يُحدث شيئا.
فقال اللّه: «غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا».[١]
قال: ولقد سمعت قوما سألوا أبي موسى بنجعفر عليه السلام عن البداء! فقال: وما ينكر الناس من البداء؟! وأن يقف اللّه قوما يُرجيهم لأمره.[٢]
قال سليمان: ألا تخبرني عن «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» في أيّ شيء انزلت؟
قال الإمام: يا سليمان، ليلة القدر يُقدّر اللّه- عزّوجلّ- فيها ما يكون من السّنة إلى السّنة، من حياة أو موت أو خير أو شرّ أو رزق. فما قدّره في تلك الليلة فهو من المحتوم.
قال سليمان: الآن قد فهمتُ، جُعلت فداك. فزدني.
قال: يا سليمان، إنّ من الامور امورا موقوفة عند اللّه- عزّوجلّ- يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، ويمحو ما يشاء.
يا سلميان، إنّ عليّا عليه السلام كان يقول: العلم علمان، فعلم علّمه اللّه ملائكته ورسله، فما علّم ملائكته ورسله فإنه يكون ولا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله.[٣] وعلم عنده مخزون لم يُطلع عليه أحدا من خلقه، يقدّم منه ما يشاء ويؤخّر منه ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء.
فالتفت سليمان إلى المأمون وقال: يا أميرالمؤمنين، لا أنكر بعد يومي هذا البداءَ ولا
[١] - المائدة ٦٤: ٥.
[٢] - وهذا من أكبر فوائد العقيدة بالبداء بشأنه تعالى، حيث يجعل من الناس على رجاء من أمرهم فلا يقنطوا من رحمة اللّه، فيرون في الدعاء والابتهال إلى اللّه والاستغفار لديه ما يمكن تغيير القضاء بشأنهم، مهما كانت ذنوبهم عظاما!!
[٣] - سيأتي أنّه الذي يقدّره ليلة القدر لذلك العام فحسب، فلا يعلمون الحتم من الامور سوى ما يجري في عامهم ذلك.