التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٤ - حديث الإمام الرضا عليه السلام مع سليمان المروزي(متكلم خراسان)
فقال المأمون: يا أبا الحسن ما تقول فيما تشاجرا فيه؟
فتوجّه الإمام عليه السلام إلى سليمان وقال: ما أنكرت من البداء يا سليمان، واللّه عزّوجلّ يقول: «أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً».[١] ويقول: «وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ».[٢] ويقول: «بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ».[٣] ويقول: «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ».[٤] ويقول: «وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ».[٥] ويقول: «وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ».[٦] ويقول: «وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ».[٧]
قال سليمان: هل رويت فيه من آبائك شيئا؟ قال: نعم، رويت عن أبيعبداللّه الصادق عليه السلام قال: إنّ للّه عزّوجلّ علمين، علما مخزونا مكنونا لا يعلمه إلّا هو، من ذلك يكون البداء.[٨] وعلما علّمه ملائكته ورسله. فالعلماء من أهل بيت نبيّنا صلى الله عليه و آله يعلمونه.
قال سليمان: أُحبّ أن تنزعه لي من كتاب اللّه عزّوجلّ:
قال: قول اللّه- عزّوجلّ- لنبيّه صلى الله عليه و آله: «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ»[٩] أراد إهلاكهم ثمّ بدا للّه تعالى، فقال: «وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ».[١٠]
[١] - مريم ٦٧: ١٩.
[٢] - الروم ٢٧: ٣٠.
[٣] - البقرة ١١٧: ٢.
[٤] - فاطر ١: ٣٥.
[٥] - السجدة ٧: ٣٢.
[٦] - براءة ١٠٦: ٩.
[٧] - فاطر ١١: ٣٥. هذه الآيات تدلّنا على أنّه تعالى هو المبدئ والمعيد، المبدع لا عن مثال ولا سابقة خيال، يتصرّف في خلقه كيفما يشاء، وهو الحكيم الخبير. قال علي عليه السلام:« أنشأ الخلق إنشاءً، وابتدأه ابتداءً، بلا رويّة أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها، أحال الأشياء لأوقاتها، ولام بين مختلفاتها، وغرّز غرائزها، وألزمها أشباحها. عالما بها قبل ابتدائها. محيطا بحدودها وانتهائها، عارفا بقرائنها وأحنائها ...». اولى خطبة من نهج البلاغة.
[٨] - البداء إنّما يقع في لوح المحو والإثبات. لكنّه منشاؤه اللوح المحفوظ.
[٩] - الذاريات ٥٤: ٥١. حيث لم يكن اللّه ليعذّبهم ورسولُ اللّه فيهم. فأمره تعالى بترك ديارهم والخروج من بينهم، بما يشي بأنّ اللّه أراد تعذيبهم. لكن الآية بعدها دلّت على حصول البداء فيهم، حيث كفى بالتذكير لهم بدل التعذيب!
وهكذا روى الصفّار عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الآية. بحار الأنوار، ج ٤، ص ١١٠، رقم ٢٨.
[١٠] - الذاريات ٥٥: ٥١.