التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٨ - دلائل آيات
ثمّ إنّه قدس سره بيّن معنى البداء وفسّره تفسيرا يتوافق مع ضوابط الاصول، في شرحه على رسالة اعتقادات الصدوق قدس سره واستوفى الكلام حقّه[١] مستندا إلى دلائل الكتاب والسنّة الشريفة، نستخلصه فيما يلي:
*- قال تعالى: «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ، يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ، وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ».[٢]
هذه أصرح آية بشأن التغيير في التقدير، حسبما يشاء اللّه وفق حكمته في الخلق والإبداع. إنّه تعالى ليس قيد تقديره الأوّل، المسجّل حسب المقتضيات الأوّليّة لطبائع الأشياء، المعرّضة للتغيير والتحويل إذا ما طرأت الحوادث المفاجئة غير المترقّبة!
لكلّ أجل كتاب (لوح المحو والإثبات) مقدّر فيه الآجال حسب طبائع الأشياء وقابليّاتها الذاتيّة الأوّليّة. لكنّها بمعرض التحوّل والتغيير إذا ما عارضت الطوارىء المفاجئة. فقد ينمحي ما كان مثبتا أو يثبت على خلاف ما كان «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ».
غير أنّه تعالى يعلم في الأزل مصير الأُمور في مختلف الأحوال، وهل هناك عوارض للمقدّرات أم هي جارية على طباعها الأُولى «وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ». أي الذي سيكون وتتواجد شرائطه على كلّ حال.
فكلّ مقدَّرٍ متغيّرٍ أو ثابتٍ. معلومٌ لديه تعالى في كتاب مكنون وعلم مخزون (اللّوح المحفوظ) لا يعلمه إلّا اللّه.
روى الصدوق بإسناده إلى هشام بنسالم وحفص بنالبختري وغيرهما جميعا عن الإمام جعفر بنمحمّد الصادق عليه السلام قال في هذه الآية: «وهل يمحو اللّهُ إلّا ما كان، وهل يثبت إلّا ما لم يكن».[٣]
يعني: أنّ المقدّرات في لوح المحو والإثبات، قد يُنمحى منها ما عارضها الطوارىء المفاجئة وقد يُثْبَتُ فيها ما لم يكن مُثْبَتا من قبلُ، ويكون وفق الشرائط الراهنة.
ولعلّك تتساءل: فيم يكون التغيير بعد إحاطة علمه تعالى في الخلق والتدبير؟!
[١] - راجع: تصحيح الاعتقاد، ص ٢٤- ٢٦.
[٢] - الرعد ٣٨: ١٣- ٣٩.
[٣] - التوحيد للصدوق، ص ٣٣٣، رقم ٤؛ وبحار الأنوار، ج ٤، ص ١٠٨، رقم ٢٢.