التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٩ - دلائل آيات
لكنّا نبّهنا: أنّ الأُمور مقدّرة في مجاريها حسب سنن الطبيعة وعلى حساب تسلسل العلل والمعاليل «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ».[١] أي بتقدير يتناسب وذاتيّات الأشياء حسب طبائعها الأوّليّة، إذا لم يفاجئها الطوارىء! الأمر الذي لايمتنع من علمه تعالى بمصير الأُمور في نهاية المطاف.
فالتقدير إذا كان موقوفا، فليس من الحتم أن يقع كما قدّر، إذ قد تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. «وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ».[٢]
روى البرقي بإسناده إلى الفضيل بنيسار. قال: سمعت الإمام أباجعفر الباقر عليه السلام يقول: «من الامور امور موقوفة عند اللّه، يُقدِّم منها ما يشاء ويُؤخِّر منها ما يشاء، ويُثْبِت منها ما يشاء».[٣]
*** وقد ورد في رواياتنا الإسلاميّة، أنّ هذا التحوّل والتغيير في المشيئة والتدبير، إنّما يحصل كلّ سنة في ليلة القدر من شهر رمضان، فيُمحى ما يُمحى ويَثْبُت ما يَثْبُت حسبما تقتضيه المصالح الجارية في تلك السنة، فكانت ليلة تقديرٍ لمقدّرات ذلك العام.
قال تعالى- بشأن ليلة القدر-: «فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ».[٤]
قال ابنجزيّ الكلبي (ت ٧٤١): معنى يُفْرَق، يُفصَل ويُخلَص. والأمر الحكيم، أرزاق العباد وآجالهم وجميع امورهم في ذلك العام. نسخ من اللوح المحفوظ ليمتثل الملائكة ذلك بطول السنة القابلة.[٥]
والفعل المضارع هنا (يُفْرَقُ) يدلّنا على استمرار التفريق عبر السنين والأعوام.
تداوما مع تدبيره تعالى وتقديره فيما لايزال.
قال الطبرسي: أي في هذه اللّيلة يفصل ويبيّن. والمعنى: يقضي كلّ أمر محكم لا
[١] - القمر ٤٩: ٥٤.
[٢] - الزمر ٤٧: ٣٩.
[٣] - بحار الأنوار، ج ٤، ص ١١٣، رقم ٣٧ عن كتاب المحاسن.
[٤] - الدخان ٤: ٤٤.
[٥] - التسهيل لعلوم التنزيل، ج ٤، ص ٣٤.