التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٠ - حل شبهات المجبرة
ففي مثال المشي، كان الذي قصده الماشي هو: رفع رجله ووضعها إلى الأمام في اتّجاه خاصّ. وهذا المقدار هو الذي ينسب إليه ويكون عن اختياره وقصده وإرادته الخاصّة. أمّا قدر مابين قدميه من مسافة وكم خطوة يريد تخطّيها، فهذا لم يقصده ولا واقع تحت إرادته، ولا هو منسوب إليه كعمل اختياري. وهكذا حركات أعضائه عند الأخذ والبطش، ومدّ الأعصاب والإيعازات العصبية، وما إليها كلّها خارجة عن اختياره وإرادته الخاصّة، ولاينسب إليه شيء من ذلك.[١]
٢٦- وأمّا قوله تعالى: «وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ»[٢] فهو كقوله: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً».[٣] كانت اللام في أمثال هذا الكلام للعاقبة والنتيجة، كقول الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام: «لِدوا للموت وابنوا للخراب».[٤] أي كلّ ولادة لابدّ أن تنتهي إلى الموت. وكلّ بناء لابدّ أن ينتهي إلى الخراب. وهكذا كثير ممّن خلقهم اللّه تؤول عاقبة أمرهم إلى جهنّم. بدليل التعليل في ذيل الآية: لهم قلوب لايريدون أن يفقهوا بها. ولهم أعين لايحاولون الإبصار بها. ولهم آذان لايسترعون الاستماع بها. وقد جعلوا من أنفسهم كالأنعام بل أضلّ. الأمر الذي هم طلبوه ومهّدوا السبيل إلى تحقيقه، كأنّهم يجتهدون مساعيهم لدخول النار وبئس المصير.
وأخيرا فالذي يدلّنا بوضوح على أنّ دخولهم النار كان لسوء اختيارهم- لا أنّه تعالى خلقهم لذلك بحيث أراد منهم فعل المعاصي ليدخلوا جهنّم، كما زعمه الأشعري وأذنابه- قوله تعالى: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ».[٥] وهذه الآية صريحة ومحكمة، فيجب ردّ غيرها من متشابهات إليها.
٢٧- وقوله: «وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها».[٦] المشيئة فيها تكوينية، أي لو أردنا إجبارهم على الهدى لفعلنا، غير أنّه «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ».[٧] إذ حكمة التكليف تقتضي منح
[١] - راجع- بالخصوص- محاضرات في أُصول الفقه، ج ٢، ص ٤٤- ٤٥.
[٢] - الأعراف ١٧٩: ٧.
[٣] - القصص ٨: ٢٨.
[٤] - نهج البلاغة، قصار الحكم، ص ٤٩٣، رقم ١٣٢.
[٥] - الذاريات ٥٦: ٥١.
[٦] - السجدة ١٣: ٣٢.
[٧] - البقرة ٢٥٦: ٢.