التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٧ - حل شبهات المجبرة
إذن فلا دلالة في الآية الكريمة أنّه تعالى خلق الخواطر والألفاظ، كما زعمه الأشعري وأذنابه ممّن يحاولون تحريف الكلم عن مواضعه.
١٧- وقوله: «رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ»[١] أي وفّقنا لنكون مسلمين لك، وذلك بإفاضة ألطاف خاصّة يفيضها اللّه على من استهدى من عباده وجاهد فيه، «وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ».[٢] «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا»[٣] وسنتكلّم عن مراتب الهداية، وإنّها عامّة وخاصّة، منها ما عمّ الناس جميعا ابتداء منه تعالى. ومنها ماخصّ المسترشدين المستهدين ممّن ساروا على مناهج الهدى وكانت لهم سابقة جدّ واجتهاد.
والدليل على ذلك ماجاء في تعقيب الآية: «وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».[٤] فهو دعاء وابتهال إلى اللّه أن يمنحهم بلطفه ومعونته وتأييده الخاصّ. لا أن يخلق فيهم الإسلام دينا قهريا مجبرين عليه، كما زعمه الأشعري.
١٨- وهكذا قوله: «وَ جَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً»[٥] تعبير عن لطفه وعنايته الخاصّة بشأن متبعي المسيح عليه السلام جزاء بما صبروا وصدقوا ماعاهدوا اللّه عليه. «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ».[٦]
١٩- وقوله: «وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكى»[٧] كناية عن مناشئ الأفراح والسرور، وعوامل الأحزان والغموم. وبدليل مابعدها من آيات: «وَ أَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَ أَحْيا». «وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَ أَقْنى». «وَ أَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَ ثَمُودَ فَما أَبْقى».
إذ لوكان المقصود: أنّه تعالى هو يخلق الضحك والبكاء- جمودا مع ظاهر اللفظ-
[١] - البقرة ١٢٨: ٢.
[٢] - محمّد ١٧: ٤٧.
[٣] - العنكبوت ٦٩: ٢٩.
[٤] - البقرة ١٢٨: ٢- ١٢٩.
[٥] - الحديد ٢٧: ٥٧.
[٦] - فصّلت ٣٠: ٤١- ٣١.
[٧] - النجم ٤٣: ٥٣.