دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤٦٧ - لا إطلاق للمطلق فيما كان له الانصراف
فيه، أو كونه متيقنا منه، و لو لم يكن ظاهرا فيه بخصوصه، حسب اختلاف مراتب الانصراف كما إنه منها (١) ما لا يوجب ذا و لا ذاك؛ بل يكون بدويا زائلا بالتأمل، كما أنه منها (٢) ما يوجب الاشتراك أو النقل.
الرابع: الانصراف الناشئ عن بلوغ غلبة الاستعمال في فرد خاص أو صنف خاص حدّ المجاز المشهور عند تعارضه مع الحقيقة المرجوحة، و لهذا إذا ذكر هذا اللفظ مطلقا و بلا قرينة وجب التوقف في المجاز، و يحكم بالتقييد في المقام؛ لما مر من فقدان شرط الإطلاق، و مثال ذلك: كصيغة الأمر على القول بكونها حقيقة في الوجوب، و لكن استعمالها في الندب مجازا مشهورا؛ بحيث ساوى احتماله لاحتمال الحقيقة، أو يرجح عليه على اختلاف بين الأعلام.
الخامس: الانصراف الناشئ عن بلوغ شيوع المطلق و غلبة استعماله في المنصرف إليه حد اشتراك لفظه بين المعنى الحقيقي الإطلاقي، و بين المعنى المنصرف إليه، قيل: بأنه لا يحمل على أحدهما إلا بالقرينة المعيّنة، فهذا الانصراف يمنع أيضا عن الأخذ بالإطلاق، كما إذا فرض: أن «الصعيد» وضع لمطلق وجه الأرض، ثم استعمل كثيرا في خصوص التراب الخالص بحيث صار مشتركا بينهما، فإذا قال المولى: «تيمم بالصعيد» لا يحمل على المطلق إلا بالقرينة؛ لكن فيه أنه يحمل على المنصرف إليه- و هو التراب الخالص- لأن كثرة الاستعمال قرينة أو صالحة للقرينية على الحمل على المعنى المنصرف إليه؛ كما تقدم من توقف الإطلاق على عدم ما يصلح للقرينية؛ فلا يجوز التمسك بالإطلاق.
السادس: الانصراف الناشئ عن بلوغ كثرة الاستعمال حدّ النقل و مهجورية المعنى المطلق، و مثال ذلك: لفظ الفعل فإنه وضع لغة للمعنى المصدري أعني: مطلق الحدث الصادر عن فاعل، ثم نقل في عرف النحاة إلى نوع خاص من الكلمة التي تدل على معنى في نفسها، مع اقتران معناها بأحد الأزمنة.
و يحمل اللفظ على المنصرف إليه، فيكون مانعا عن الإطلاق.
فالمتحصل: أن الانصراف بجميع أقسامه مانع عن الإطلاق إلا القسمين الأولين؛ لأن بعضها يقيّد المطلق، و بعضها مما يوجب التعيين، أو القدر المتيقن، أو الإجمال، فيسقط المطلق عن الإطلاق.
(١) أي: من مراتب الانصراف ما لا يوجب الظهور، و لا كونه متيقّنا من المطلق؛ كالقسم الأول و الثاني.
(٢) أي: و من مراتب الانصراف ما يوجب الاشتراك أو النقل كالقسم الخامس و السادس.