دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤٠٨ - فصل في دوران الأمر بين النسخ و التخصيص
بالإطلاق- أقوى من ظهور العام و لو كان بالوضع، كما لا يخفى هذا فيما علم تاريخهما (١).
و أما لو جهل، و تردد بين أن يكون الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام و قبل حضوره: فالوجه هو الرجوع إلى الأصول العملية.
و كثرة التخصيص، و ندرة النسخ- هاهنا- و إن كانا يوجبان الظن بالتخصيص أيضا (٢)،
مقدمات الحكمة- أقوى من ظهور العام في عمومه الأفرادي، و لو كان هذا الظهور وضعيا، فيقدم الخاص على العام من باب التخصيص، فالعلماء في قوله: «أكرم العلماء» مثلا ظاهر بحسب الوضع في كل فرد من أفراد العلماء، سواء كان عادلا أم فاسقا، و قوله: «و لا تكرم فساق العلماء» ظاهر- بالإطلاق الناشئ من مقدمات الحكمة- في الدوام و الاستمرار، فلو قدّم العام على الخاص كان مقتضى تقديمه عليه عدم استمرار حرمة فساقهم، و لو انعكس و قدم الخاص على العام فمقتضاه: انحفاظ ظهور الخاص في الاستمرار، و عدم بقاء العام على عمومه، و خروج بعض أفراده عن حيّزه، فيدور الأمر بين أحد هذين الأمرين، و حيث إن ظهور الخاص في الاستمرار- و إن كان بالإطلاق- معتضد بشيوع التخصيص، فيصير أقوى من ظهور العام في عمومه الأفرادي و لو كان بالوضع فيقدم على ظهور العام؛ لوضوح تقدم الأقوى ظهورا على الأضعف، كما في «منتهى الدراية، ج ٣، ص ٦٥٢».
(١) أي: تاريخ الخاص و العام، و لا يعلم أن الخاص وارد قبل حضور وقت العمل بالعام كي يكون مخصصا له، أو بعده كي يكون ناسخا له، أو يكون العام واردا بعد وقت العمل بالخاص حتى يكون ناسخا، أو مقارنا معه كي يكون الخاص مخصصا له.
فحينئذ يحكم بإجمالهما، و يرجع إلى الأصول العملية لا إلى التخصيص، و لا إلى النسخ كما هو الشأن في جميع موارد إجمال الدليل.
هذا ما أشار إليه بقوله: «فالوجه هو الرجوع إلى الأصول العملية»، فيرجع في مثال:
«أكرم الشعراء و لا تكرم فساقهم» إلى أصل البراءة عن حرمة إكرام الشاعر الفاسق.
(٢) أي: كصورة تأخر العام عن العمل بالخاص.
و حاصل الكلام في المقام: أن قوله: «و كثرة التخصيص» دفع لما يتوهم من: أن كثرة التخصيص موجبة لترجيح احتمال التخصيص على النسخ كالصورة الخامسة المتقدمة- و هي تأخر العام عن العمل بالخاص- التي حكم المصنف فيها بالتخصيص؛ لشيوعه و ندرة النسخ؛ لأن الشيوع موجود هنا أيضا، فيكون مرجحا للتخصيص على النسخ و الأصول العملية، فلا فرق في الحكم بالتخصيص و بين الجهل بالتاريخ و بين العلم بتأخر