دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٣٣ - في دلالة النهي على صحة متعلقه
القربة و بدون قصدها لا يكون العمل عبادة حتى تفسد بحرمتها الناشئة من النهي. و إن أتى بالعمل مع قصد القربة كان مشرّعا؛ إذ لا أمر به مع حرمته، فلا يقدر على نيّة القربة إلّا بتشريع ليقصد التقرب به، و حينئذ يحرم العمل للتشريع، و مع هذه الحرمة التشريعية يمتنع اتصافها بالحرمة الذاتية؛ لاجتماع المثلين المستحيل.
و خلاصة الكلام في المقام: أن النهي عن العبادة لما لم يدل على الحرمة الذاتية لامتناع اتصاف العبادة بها فلم يدل على الفساد أيضا.
فلا يصح الالتزام بدلالته على فساد العبادة.
و قد أجاب المصنف عن هذا الإشكال بوجوه:
الأول: ما أشار إليه بقوله: «لا ضير في اتصاف ما يقع عبادة ...» إلخ.
توضيح ذلك: أن العبادة تارة: تكون شأنية بمعنى: أنه لو أمر به كان عبادة كصوم العيدين بناء على حرمته ذاتا، فهو عبادة شأنية بحيث لو ورد الأمر به من الشارع لكان أمره عباديا كالأمر بصوم سائر الأيّام.
و أخرى: تكون العبادة عبادة ذاتية فعلية؛ كالسجود مثلا، ثم المراد بالعبادة في العنوان هو العبادة الشأنية لا العبادة الذاتية الفعلية، فما ذكره المستشكل من امتناع اتصاف العبادة بالحرمة الذاتية ممنوع؛ إذ لا مانع من اتصاف العبادة الشأنية بالحرمة الذاتية، فإن صوم العيدين عبادة شأنية فيه مفسدة ملزمة أوجبت حرمته الذاتية.
أمّا الوجه الثاني في الجواب فحاصله: منع ما ذكره المستشكل من امتناع الاتصاف بالحرمة الذاتية مع الحرمة التشريعية لاجتماع المثلين المستحيل، لأن مورد اجتماع المثلين المحال هو اتحاد الموضوع، و أمّا مع تعدده فلا يلزم اجتماع المثلين و المقام من هذا القبيل؛ ضرورة: أنّ موضوع حرمته التشريعية هو الالتزام بكون شيء من الدين مع عدم العلم بأنه منه، و من المعلوم: أن الالتزام فعل قلبي، و موضوع الحرمة الذاتية هو نفس الفعل الخارجي؛ كالسجود من الجنب، و مع تعدد الموضوع لا تجتمع الحرمتان حتى يلزم اجتماع المثلين المحال.
أمّا الوجه الثالث فحاصله: أنّه يمكن البناء على فساد العبادة المنهي عنها و إن لم نقل بدلالة النهي على الحرمة؛ إذ لا أقلّ من دلالته على عدم الفرد المنهي عنه مأمورا به؛ إذ لا معنى للنهي مع الأمر الفعلي، و بدون الأمر يكون حراما تشريعيا، فيكون فاسدا لكفاية الحرمة التشريعية في الفساد.