دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٢ - و توضيح الفرق يحتاج إلى بيان أمرين
الخارج، فإن وجدت العلّة التامّة وجد الممكن؛ و إلّا فلا يوجد، و وجه استدلالهم بهذه القاعدة: أن كل فعل يصدر من فاعل لا بدّ و أن توجد علّته التامّة، و إذا وجدت كان ذلك الفعل واجب الوجود بالعرض، و إذا وجب الفعل لم يكن العبد مختارا فيه، و بهذه المقدمات تمسكوا بكون العباد محبورين في جميع الأفعال.
«و أمّا الثاني»: فيقال: إنّه قد أجاب الأصحاب عن هذا الاستدلال بأنّا نسلّم أنّ الفعل بعد وجود علّته التامّة واجب، و لكنّا نقول: إنّ العبد إنّما يوجد علّة الفعل بالإرادة و الاختيار، فإن أراد الفعل و سائر مقدماته وجب، و إن لم يرد لم يجب، فإيجاب الفعل و عدمه تحت اختيار المكلف، و من البديهي: «أن الإيجاب و الامتناع بالاختيار لا ينافي» أي: إيجاب بإرادة مقدماته، و امتناعه بعدم إرادة مقدماته لا ينافيان الاختيار.
و بهذا تبيّن: أن العباد ليسوا مجبورين في أفعالهم. و اتّضح أيضا: أن قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار في قبال استدلال الأشاعرة بالجبر.
إذا عرفت هذين الأمرين فنقول: إنّ الفرق بين المقام و بين ما أجاب به العدلية من القاعدة يمكن بوجوه يستدلّ بها على عدم كون المقام داخلا في كبرى عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار:
الوجه الأول: أنّ الفعل في مورد القاعدة مستند إلى الإرادة و الاختيار؛ لأنّ وجوبه و امتناعه إنّما يكون من قبل العلّة و إرادة الفاعل و اختياره علّة للفعل أو تركه، فالوجوب و الامتناع ناشئان من اختياره.
و من المعلوم: أن الوجوب و الامتناع الناشئين عن الاختيار مؤكّدان له لا منافيان، هذا بخلاف المقام الذي يسلب فيه الاختيار عن الفعل بواسطة اختيار شيء آخر- و هو الدخول- فليس الفعل- و هو الخروج- قابلا للصدور بالإرادة و الاختيار؛ بل المكلف مضطر إليه بسوء اختياره، فلا يقدر على تركه تشريعا و إن كان قادرا عليه تكوينا.
الوجه الثاني: أنّ ما يكون داخلا في كبرى هذه القاعدة لا بدّ أن يكون ممّا عرضه الامتناع باختيار المكلف و إرادته؛ كالحجّ يوم عرفة لمن ترك مقدمته باختياره و قدرته، و كحفظ النفس المحترمة لمن ألقى نفسه من شاهق، و نحوهما من الأفعال الاختيارية الّتي يعرض عليها الامتناع بالاختيار.
و من الواضح: إنّ الخروج من الدار المغصوبة ليس كذلك، فإنّه باق على ما هو عليه