دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٢٩ - في دوران الأمر بين التخصيص و التخصّص
في كون فرد العام محكوما بحكمه، كما هو قضية عمومه، و المثبت (١) من الأصول اللفظية و إن كان حجة، إلا أنه لا بد من الاقتصار على ما يساعد عليه الدليل، و لا
التخصيص بناء العقلاء، و لم يثبت بناؤهم عليها إلا في الشك في المراد، و لذا عدت من الأصول المرادية، فلا تجري إلا فيما إذا شك في المراد. و أما إذا علم المراد و شك في كيفية الإرادة، و أنها بنحو التخصيص أو التخصص، فلا تجري لإثبات كيفيتها، ففي مثال المتن يكون المراد- و هو عدم وجوب إكرام زيد- معلوما؛ لكن لا يعلم أن عدم وجوب إكرامه هل هو لعدم كون زيد فردا للعام- أي: ليس من العلماء- حتى يكون خروجه عن «أكرم العلماء» تخصصا، أو لعدم كونه بحكم العام مع كونه فردا له- أي: أنه من العلماء لكن لا يجب إكرامه- حتى يكون خروجه عن «أكرم العلماء» تخصيصا، فأصالة عدم التخصيص لا تجري هنا لإثبات كيفية إرادة المتكلم لعدم وجوب إكرام زيد، و أن عدم وجوب إكرامه بنحو التخصص- أي: لعدم كونه عالما- حتى يترتب عليه آثار ضدّه كما إذا كان للجاهل أحكام، فبأصالة عدم تخصيص العام لا يحرز إن زيدا ليس فردا للعام ليترتب عليه أحكام الجاهل.
و المتحصل: أنه لمّا كان دليل اعتبار أصالة عدم التخصيص بناء العقلاء كانت مختصة بما علم كونه فردا للعام، و شك في خروجه عن حكمه، و لا أقل من احتمال اختصاصها بذلك، و مجرد الاحتمال كاف في عدم جريانها فيما شك في فرديته للعام.
و السر في ذلك واضح، فإن بناء العقلاء دليل لبّي، فلا بد من الاقتصار على المتيقن منه و هو إثبات حكم العام لما علم أنه من أفراده، فيختص جريان أصالة عدم التخصيص بهذا المورد، و أما ما عداه كمورد البحث فلا تجري فيه؛ لعدم ثبوت بناء العقلاء على عدم التخصيص فيه.
(١) إشارة إلى دفع توهم بتقريب: إن جريان أصالة عدم التخصيص و إثبات عدم فردية المشتبه للعام، و ترتيب أحكام ضد العام عليه نظرا إلى حجية مثبتات الأصول اللفظية- التي منها أصالة عدم التخصيص- لا يختص بما علم من أنه من أفراد العام؛ بل يجري في محل الكلام أيضا.
إلّا إن هذا التوهم مدفوع؛ بأن أصالة عدم التخصيص- و هي أصالة العموم- و إن كانت من الأمارات التي تكون حجة في المداليل الالتزامية؛ إلّا إن مقدار حجيتها تابع لدلالة اعتبارها، و من المعلوم: أن دليل الاعتبار في المقام ليس إطلاق اللفظ؛ بل هو لبّي، فلا بد من الأخذ بالمقدار المتيقّن، و هو ما إذا كان الشك في المراد لا في كيفية الإرادة.
قوله: «و لا دليل هاهنا» يعني: في أصالة العموم، أو أصالة عدم التخصيص.