دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٦٤ - أولوية دفع المفسدة من جلب المنفعة
يكون هناك مجال لأصالة البراءة أو الاشتغال؛ كما في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة التعيينيين، لا فيما تجري؛ كما في محل الاجتماع (١) لأصالة البراءة عن
فالمتحصل: أنّه فرق بين المقام و بين الدوران بين المحذورين و حاصله: هو العلم بثبوت أحد الحكمين الإلزاميين في مورد الدوران بين المحذورين، و لكن الشك في الثابت منهما واقعا، هذا بخلاف المقام حيث لا يعلم بثبوت ذلك؛ بل يحتمل أن يكون أحد الوجوب و الحرمة أقوى مقتضيا، فيثبت، و أن يكونا متساويين من أجل الاقتضاء فيتساقطان معا لعدم المرجّح في البين، فحيث لم يعلم الإلزام بالفعل أو الترك كان احتمال ثبوت الحرمة مجرى لأصالة البراءة، فندفع بها الحرمة الفعلية، و نحكم بصحة الصلاة في الدار المغصوبة؛ إذ المانع من صحة الصلاة هي الحرمة الفعلية الموجبة لصدق عنوان المعصية، فلا يمكن التقرّب المعتبر في العبادة، أمّا بعد نفي الحرمة الفعلية بأصالة البراءة فأمكن التقرب لعدم كون المجمع حينئذ معصية.
(١) بين الصلاة و الغصب حيث لا مانع عن جريان البراءة في الحرمة، و مع جريان البراءة عن الحرمة يحكم بصحة الصلاة، كما أشار إليه بقوله: «فيحكم بصحته» أي:
بصحة محل الاجتماع، و هذا الحكم الوضعي مترتب على جريان البراءة عن حرمة الغصب، لأن المانع عن الصحّة هو فعلية الحرمة المرفوعة بالأصل.
لا يقال: إن جريان البراءة في محل الكلام إنّما يتمّ لو لم نقل بقاعدة الاشتغال في الشك في الأجزاء و الشرائط.
و أما لو قيل بقاعدة الاشتغال في الشك في الأجزاء و الشرائط لكان ما نحن فيه مجرى للاشتغال لا للبراءة، فاللازم حينئذ: هو الحكم ببطلان الصلاة في المجمع. فإنّه يقال: فرق بين ما نحن فيه و بين الشك في الأجزاء و الشرائط، فجريان قاعدة الاشتغال في الشك في الجزئية و الشرطية لا يستلزم جريانها في مورد الاجتماع و الشك في فعلية الحكم.
و توضيح الفرق: أنّ الصحة الثابتة بأصل البراءة في الشك في الجزئية و الشرطية ظاهرية، لأنّه- على فرض ثبوتهما واقعا- يكون الفاقد لهما بمقتضى ارتباطيّة الأجزاء و الشرائط فاسدا واقعا.
و هذا بخلاف مانعية الغصب- في محل الكلام- حيث إنّها مترتبة على فعلية حرمته، فإذا جرت البراءة في نفي فعليتها انتفت المانعية حقيقة، و صحّت الصلاة واقعا.
فالصحة فيه واقعية، و في الشك في الجزئية و الشرطية ظاهرية، و لذا بنى غير واحد في الأقل و الأكثر الارتباطيين على الاشتغال.