دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٩٦ - المقصود من هذا الأمر السادس هو بيان أمرين
شيء واحد صحيحا بحسب أثرا و نظر، و فاسدا بحسب آخر، و من هنا صحّ أن يقال: إنّ الصحة في العبادة و المعاملة لا تختلف؛ بل فيهما بمعنى واحد و هو التمامية، و إنّما الاختلاف فيما هو المرغوب منهما من الآثار الّتي بالقياس عليها تتصف بالتمامية و عدمها.
و هكذا (١) الاختلاف بين الفقيه و المتكلم في صحة العبادة إنّما يكون لأجل الاختلاف فيما هو المهم لكل منهما من الأثر بعد الاتفاق ظاهرا على أنّها بمعنى التمامية كما هي معناها لغة و عرفا، فلمّا كان غرض الفقيه هو وجوب القضاء أو
بحسب أثر- و هو موافقة الأمر و الشريعة- و فاسد بحسب أثر آخر- و هو سقوط القضاء و الإعادة- و كذا يكون صحيحا بالنظر إلى أمره و هو الأمر الثانوي أو الظاهري، و فاسدا بالنظر إلى أمر آخر و هو الأمر الواقعي الأوّلي، أو يكون صحيحا بنظر العرف كبيع المنابذة أو النقدين بلا قبض في المجلس و فاسدا بنظر الشرع.
و بالجملة: أن الصحة و الفساد من الأمور الإضافية لا الحقيقية الّتي يكون لها بحسب الواقع حدّ معيّن في نفسه لا يتعدّاه، فربما يكون عمل واحد صحيحا بالنسبة إلى أثر أو نظر أو أمر دون آخر، مثلا: الصلاة جالسا صحيحة بالنسبة إلى المريض، و فاسدة بالنسبة إلى السليم، و الصلاة مع الطهارة الاستصحابية صحيحة بعد كشف الخلاف بالنسبة إلى القضاء، و فاسدة بالنسبة إلى الأداء و صحيحة في نظر القائل بالإجزاء، و فاسدة في نظر غيره. صحيحة بالنسبة إلى موافقة الأمر الظاهري لا الواقعي.
الأمر الثاني: أن اختلاف المتكلم و الفقيه في تعريف الصحة و الفساد لا يوجب اختلافهما في المعنى و هو التمامية و عدم التمامية، فالأوّل عرّف الصحة في العبادات بما يوافق الأمر أو الشريعة. و الثاني، بما يسقط معه القضاء و الإعادة؛ و هذا الاختلاف في تفسيرهما بين الفقيه و المتكلم إنّما هو بحسب الأثر المهم عند كل منهما، فإنّ المهم في نظر الفقيه هو سقوط القضاء و الإعادة في العبادات، ففسّر صحّتها بذلك.
و في نظر المتكلم هو: موافقة الأمر الموجبة لاستحقاق المثوبة، ففسّر صحة العبادة بذلك.
و المتحصّل: أنّ مفهوم الصحة و الفساد واحد عند الكل؛ و هو معناهما اللغوي و العرفي أعني: الصحة بمعنى: التمامية، و الفساد بمعنى: عدم التمامية، و الاختلاف في التفسير ناشئ عن الاختلاف فيما هو المهم في نظر كلّ منهما.
(١) هذا إشارة إلى الأمر الثاني من الأمرين اللّذين تقدم ذكرهما تفصيلا.