دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٨٣ - فصل تخصيص العام بالمفهوم المخالف
و توضيح ما هو التحقيق في المقام الأول يتوقف على مقدمة:
و هي: أن دلالة كل واحد منهما على مدلوله إما بالوضع، أو بالإطلاق و مقدمات الحكمة. أو أحدهما بالوضع و الآخر بالإطلاق و مقدمات الحكمة، فالصور هي ثلاث:
لا مفهوم و لا عموم في الصورة الأولى و الثانية و هما: أن تكون دلالتهما بالوضع، أو بالإطلاق و مقدمات الحكمة.
و أما الصورة الأولى: فلأن كل واحد منهما يصلح أن يكون قرينة على الآخر، فيقع التزاحم بين الظهورين، و يحكم بعدم اعتبار كليهما سواء كانا في كلام واحد أو في كلامين بمنزلة كلام واحد.
و الأول: كقوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ [١] فإن مفهومه: عدم وجوب التبين في خبر العادل، و تلقّيه بالقبول. و مقتضى عموم التعليل أي: إصابة القوم بجهالة هو كون إصابتهم كذلك أمرا مرغوبا عنه؛ و لو من ناحية خبر العادل.
و الثاني: مثلا كقول المولى لعبده: «أكرم العلماء»، ثم قال بلا فصل: «أكرم العلماء إن كانوا عادلين»، فيدور الأمر بين تخصيص العام بالمفهوم المخالف، و بين بقاء العام على عمومه، فيكون المرجع هو الأصول العملية؛ إلا إذا كان أحدهما أظهر من الآخر، فلا بد حينئذ من تقديم الأظهر على الظاهر.
و أما الصورة الثانية: فلأن انعقاد الظهور في كل واحد منهما في مدلوله يتوقف على تمامية مقدمات الحكمة، و المفروض: عدم تماميّتها في شيء منهما- لتوقف تماميّتها في كل واحد منهما على عدم الآخر- إذ كل منهما مانع عن ظهور الآخر في الإطلاق، فلا يبقى منشأ للظهور.
و أما الصورة الثالثة:- و هي ما إذا كان ظهور أحدهما بالوضع، و ظهور الآخر بالإطلاق و مقدمات الحكمة- فلا إشكال في تقدم ما كان ظهوره بالوضع على ما ظهوره بالإطلاق و مقدمات الحكمة، سواء كان ما ظهوره بالوضع هو العام أو المفهوم المخالف.
و الوجه في ذلك: أن الظهور إذا كان بالوضع كان صالحا لأن يكون بيانا مانعا عن
[١] الحجرات: ٦.