دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٤١ - و قد أجاب المصنف عن استدلال أبي حنيفة بوجهين
أما على الأول: فإنه حينئذ لا دلالة لها إلا على إثبات إمكان وجوده «تبارك و تعالى»، لا وجوده.
و أما على الثاني: فلأنها و إن دلت على وجوده تعالى؛ إلا إنه لا دلالة لها (١) على عدم إمكان إله آخر- مندفع (٢)؛ بأن المراد من الإله هو: واجب الوجود، و نفي ثبوته و وجوده في الخارج، و إثبات فرد منه فيه- و هو الله- يدل بالملازمة البيّنة على امتناع تحققه في ضمن غيره «تبارك و تعالى»، ضرورة: إنه لو لم يكن ممتنعا لوجد لكونه من أفراد الواجب.
و أما على الثاني: فكلمة الإخلاص و إن كانت تدل على وجوده تعالى؛ لأن معناها حينئذ: لا إله بموجود إلا الله تعالى إلا إنها لا تدل على ما هو المقصود منها و هو نفي إمكان غيره تعالى، و إثبات امتناع غير الله تعالى لا نفي وجوده فقط.
لأن نفي الوجود لا يستلزم نفي الإمكان، لأن الوجود أخص من الإمكان العام، و من المعلوم: أن نفي الخاص لا يستلزم نفي العام، مع إن المعتبر في التوحيد هو نفي إمكان إله آخر.
و هذا الإشكال نشأ من جعل لفظ «لا» لنفي الجنس ليحتاج إلى الخبر، لأنه من النواسخ الداخلة على المبتدأ و الخبر.
(١) أي: لا دلالة لكلمة الإخلاص على عدم إمكان إله آخر.
و وجه عدم الدلالة: أن العقد السلبي- و هو المستثنى منه- يدل على عدم وجود طبيعة الإله و منها الواجب الوجود «تبارك و تعالى»، و العقد الإيجابي- و هو المستثنى- يدل على وجود فرد منها و هو الله تعالى، و شيء من العقدين لا يدل على امتناع غيره سبحانه، مع إن امتناع غيره هو المعتبر في التوحيد.
(٢) هذا دفع للإشكال: أي: يندفع الإشكال: بأن المراد من الإله واجب الوجود لذاته، و الخبر المقدّر هو «موجود»، فتدل كلمة الإخلاص حينئذ على انحصاره في فرد منه و هو الله «تبارك و تعالى»، فمعنى كلمة الإخلاص: لا واجب وجود بموجود إلا الله، و من المعلوم: أن نفي طبيعة واجب الوجود و إثبات فرد منها- و هو الله تعالى- يدل على عدم إمكان واجب غيره؛ إذ لو كان ممكنا لوجد قطعا، ضرورة: أن فرض إمكانه مساوق لوجوده؛ لكون وجوده واجبا حسب الفرض، و المفروض: انتفاء وجوبه إلا في فرد واحد، و لازم ذلك: امتناع غيره؛ إذ لو لم يكن ممتنعا لوجد حتما في الخارج لكونه من أفراد الواجب الوجود الذي يقتضي ذاته الوجود، و يستحيل عليه العدم.