دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١١٨ - في جواب المصنف عن الإشكال المذكور
تشريعا، و معه تكون محرّمة بالحرمة التشريعية. لا محالة، و معه لا تتصف بحرمة أخرى، لامتناع اجتماع المثلين كالضدين.
فإنّه يقال (١): لا ضير في اتّصاف ما يقع عبادة لو كان مأمورا به بالحرمة الذاتية،
في جواب المصنف عن الإشكال المذكور
(١) و قد أجاب المصنف عن الإشكال بوجوه:
الأول: ما أشار إليه بقوله: «لا ضير في اتّصاف ما يقع عبادة ...» إلخ. و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن العبادة تارة: تكون شأنية بمعنى: أنه لو أمر به كان عبادة و كان أمره عباديا لا توصليا و لا يسقط أمره إلّا بقصد القربة نحو: «لا تصم يومي العيدين»؛ بناء على حرمته ذاتا، فصوم العيدين عبادة شأنية، بحيث لو فرضنا ورود الأمر من قبل الشارع لكان أمره أمرا عباديا؛ كالأمر بصوم سائر الأيام.
و أخرى: تكون العبادة عبادة ذاتية فعلية؛ كالسجود و التحميد للّه تعالى.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن المراد من العبادة في العنوان هو العبادة الشأنية لا العبادة الذاتية الفعلية. فما ذكره المستشكل من امتناع اتّصاف العبادة بالحرمة الذاتية ممنوع؛ إذ لا مانع من اتصاف العبادة الشأنية بها، فإنّ صوم العيدين عبادة شأنية، و يمكن أن يكون في صومهما مفسدة ملزمة أوجبت حرمته الذاتية؛ كحرمة شرب الخمر. هذا هو الوجه الأول في الجواب.
أمّا الوجه الثاني الذي أشار إليه بقوله: «مع إنّه لا ضير في اتصافه بهذه الحرمة» فحاصله: أنّ ما ذكره المستشكل من «أنّه مع الحرمة التشريعية يمتنع اتصافه بالحرمة الذاتية؛ للزوم اجتماع المثلين الذي هو محال كاجتماع الضدين» فحاصله: ممنوع؛ لأن مورد اجتماع المثلين المحال هو اتحاد الموضوع، و أما مع تعدده فلا يلزم محذور اجتماع المثلين أصلا، و المقام من هذا القبيل، ضرورة: أن موضوع حرمة التشريع هو الالتزام بكون شيء من الدين، مع العلم بعدم كونه من الدين، أو لا يعلم أنّه منه.
و من المعلوم: أن الالتزام فعل قلبي، و موضوع الحرمة الذاتية نفس الفعل الخارجي؛ كالسجود من الجنب، أو الحائض، و مع تعدد الموضوع لا تجتمع الحرمتان حتى يلزم اجتماع المثلين المحال.
و أما الوجه الثالث الذي أشار إليه بقوله: «مع إنه لو لم يكن النهي فيها ...» إلخ فحاصله: أنّه يمكن البناء على فساد العبادة المنهي عنها و إن لم نقل بدلالة النهي على الحرمة؛ إذ لا أقلّ من دلالته على عدم كون الفرد المنهي عنه مأمورا به، إذ لا معنى للنهي مع الأمر الفعلي، و بدون الأمر يكون حراما تشريعيا فاسدا؛ لكفاية الحرمة التشريعية في الفساد، فيخرج هذا الفرد المنهي عنه عن إطلاق الدليل أو عمومه الدال على صحة كل فرد فرض وجوده من أفراد طبيعة العبادة.