تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢٩٦ - ايمان النبي باللّه و توحيده قبل البعثة
فهل يرضى ضميرك أيها القارئ الكريم أن يكون «يحيى» و «المسيح» (عليهما السلام) مؤمنين معلنين عن توحيدهما، و إيمانهما منذ طفولتهما، و صباهما، و يكون أفضل الأنبياء و المرسلين، و أشرف الخلق أجمعين إلى سنّ الأربعين على غير إيمان، و توحيد، مع أنه (صلّى اللّه عليه و آله) كان مشتغلا بالتعبّد في جبل «حراء» عند نزول ملاك الوحي عليه لأول مرة؟
و إليك بعض ما قاله المؤرخون، و العلماء في هذا المجال استكمالا لهذا المبحث:
قال ابن هشام: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فاذا قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به اذا انصرف من جواره، الكعبة، قبل أن يدخل بيته، فيطوف به سبعا أو ما شاء اللّه من ذلك، ثم يرجع الى بيته حتى اذا كان الشهر الذي أراد اللّه تعالى به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه اللّه تعالى فيها، و ذلك الشهر شهر رمضان، خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى «حراء» كما كان يخرج لجواره و معه اهله حتى اذا كانت الليلة التي اكرمه اللّه فيها برسالته و رحم العباد بها جاءه جبرئيل (عليه السلام) بامر اللّه تعالى [١].
و قال العلامة المجلسي: قد ورد أخبار كثيرة انه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يطوف، و انه كان يعبد اللّه في حراء، و انه كان يراعي الآداب المنقولة من التسمية و التحميد عند الاكل و غيره، و كيف يجوّز ذو مسكة من العقل على اللّه تعالى ان يهمل افضل انبيائه اربعين سنة بغير عبادة؟ و المكابرة في ذلك سفسطة [٢].
فايمان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم، و توحيده قبل البعثة، اذن، أمر مسلم لا شبهة فيه، و لا غبار عليه.
و لكن بعض الكتاب من المسيحيين و من تبعهم، من المستشرقين و غيرهم، أبوا إلّا أن ينتقصوا النبيّ الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله) فادّعوا ضلاله قبل البعثة،
[١] السيرة النبوية: ج ١ ص ٢٣٦.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٨، ص ٢٨٠.