تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١٨٤ - ٥- بما ذا نميز المعاجز عن غيرها من الخوارق؟
ثم يقول: و نحن لا نرى أن هذه الصورة التي افترضها الاستاذ الإمام- صورة الجدري أو الحصبة من طين ملوث بالجراثيم- أدلّ على قدرة، و لا اولى بتفسير الحادث، فهذه كتلك في نظرنا من حيث إمكان الوقوع، و من حيث الدلالة على قدرة اللّه، و تدبيره، و يستوي عندنا أن تكون السنة المألوفة للناس، المعهودة المكشوفة لعلمهم، هي التي جرت، فأهلكت قوما أراد اللّه اهلاكهم، أو أن تكون سنة اللّه قد جرت بغير المألوف للبشر، و غير المعهود المكشوف لعلمهم فحقّقت قدره ذاك.
ثم يقول: لقد كان اللّه سبحانه يريد بهذا البيت [١] أمرا، كان يريد أن يحفظه ليكون مثابة للناس و أمنا و ليكون نقطة تجمع للعقيدة الجديدة تزحف منه حرة طليقة في ارض حرة طليقة لا يهيمن عليها احد من خارجها و لا تسيطر عليها حكومة قاهرة تحاصر الدعوة في محضنها، و يجعل هذا الحادث عبرة ظاهرة مكشوفة لجميع الانظار في جميع الأجيال، ليضربها مثلا لرعاية اللّه لحرماته و غيرته عليها.
فمما يتناسق مع جوّ هذه الملابسات كلها أن يجيء الحادث غير مألوف و لا معهود بكل مقوماته و بكل اجزائه، و لا داعي للمحاولة في تغليب صورة المألوف من الأمر في حادث هو في ذاته و بملابساته مفرد فذ.
و بخاصة ان المألوف في الجدري و الحصبة لا يتفق مع ما روي من آثار الحادث بأجسام الجيش و قائده فإن الجدري أو الحصبة لا يسقط الجسم عضوا عضوا، و أنملة انملة، و لا يشق الصدر عن القلب!!
ثم ان «سيد قطب» يشير إلى علل تفسير هذه الحادثة الخارقة للعادة بالتفسير المادي العادي الطبيعي، و المدرسة العقلية التي كان الاستاذ «عبده» على رأسها، و ضغط الفتنة بالعلم التي تركت آثارها في تلك المدرسة، و نحن نكتفي بهذا القدر بالمناسبة، و إشعارا بما يمكن أن يجنيه مثل هذا الاتجاه على مقولات الدين و مفاهيمه و مقرراته عن الأحداث الكونية و التاريخية و الانسانية
[١] أي الكعبة المشرّفة.