تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٢٩ - أبرز النظريات المادية لظاهرة الوحي
مغناطيسيا يظهر بمظهر من العقل الراجح، و الفكر الثاقب و النظر البعيد، و يقوم بما لا يقوم به في حالته العادية.
و قد انتهى هؤلاء الماديّون من خلال تحقيقاتهم و تجاربهم إلى: ان شخصية الإنسان الباطنية ارقى من شخصيته العادية، و إن ما يتوصّل إليه الإنسان من أفكار عالية رفيعة جدا، و ما قد يتمتع به من روح قوية هو من مظاهر هذه الشخصية و فعاليتها.
فقالوا: و ان هذه الشخصية هي التي تنفث في روح الأنبياء ما يعتبرونه وحيا من اللّه، و قد تظهر لهم متجسّدة فيحسبونها من ملائكة اللّه هبطت عليهم من السماء!!!
فالوحي عند هؤلاء الباحثين في الروح على الاسلوب التجريبي لا يكون بنزول ملك من السماء على الرسول فيبلغه كلاما عن اللّه بل يكون في تجلي روح الإنسان عليه بواسطة شخصيته الباطنة فتعلمه ما لم يكن يعلم، و تهديه الى خير الطرق لهداية نفسه و ترقية امته [١].
و لكن هذه النظرية هي الاخرى تنبع من الغرور العلميّ الذي أصاب هذا النمط من العلماء الّذين يحاولون تفسير كل ظواهر هذا العالم بالتفسير المادي، و هو لا شك ينشأ من علمهم المحدود القاصر عن إدراك حقائق الوجود.
إننا لا نشك في وجود ما يسمى بالشخصية الباطنيّة لدى الإنسان فهو ممّا سبق الى كشفه و التنويه به الفلاسفة الإسلاميّون من قبل و لكن كيف و على أيّ أساس حقّ لهؤلاء ان يفسروا ظاهرة (الوحي الالهيّ) و النبوة بهذا الأمر؟
هذا أولا و ثانيا: انّ تجلي الشخصيّة قلّما يحدث في الاشخاص الأصحّاء، بل هو يحدث في الاغلب عند المتعبين القلقين، و السكارى، و المصابين بالهزيمة و النكسة، لأن نافذة (اللاوعي) عند غيرهم من الاصحاء تنسد بسبب اشتغالهم الشديد بقضايا الحياة اليومية و همومها، و لا يبقى للشخصية الباطنية مجال للنشاط و الفعالية، كما
[١] دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي: ج ١٠ مادّة وحي.