تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤٤٤ - الأسرار المنطقيّة للنزول التدريجي للقرآن
(١) ١- إن الرسول الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله) يتحمّل مسئوليات كبرى، و ان شخصية كهذه من الطبيعي ان يواجه مشاكل و متاعب باهضة و صعبة، و لا ريب أن تلك المشاكل و المتاعب توجب الكلل، و انخفاض مستوى النشاط مهما كانت الروح التي يتمتع بها الشخص عظيمة، و قويّة، في مثل هذه الحالة يكون تجديد الارتباط بالعالم الأعلى، و تكرّر نزول الملك من جانب اللّه تعالى باعثا على تجدّد النشاط، و عاملا قويا في بثّ القوة و الحماس و المعنوية الفاعلة في نفس النبيّ و روحه، و بالتالي فان العناية و المحبّة الالهية الممتدّة لنبيّه و رسوله إنما تتجدد بتكرّر نزول الوحي عليه (صلّى اللّه عليه و آله) من جانبه تعالى.
و قد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة النفسية الكبرى اذ قال:
«كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ» [١].
(٢) ٢- و يمكن ان تكون الجملة المذكورة ناظرة الى جهة اخرى و هي: ان المصالح التربوية و التعليمية تقتضي أن يتنزل القرآن الكريم على نحو التدريج و يلقى الى الناس على هذا الشكل أيضا و ذلك لان النبي الاكرم (صلّى اللّه عليه و آله) معلّم الامة، و طبيبها الروحي الذي بعث الى الناس بالوصفات الالهية لتعليمهم، و هدايتهم و معالجة أمراضهم و أدوائهم الاجتماعية و الخلقيّة، و الفكرية، و كلّف بأن يطبّق هذه الوصفات في حياتهم العملية، و مثل هذا يتطلب التدرّج لينفع الدواء- حينئذ- و تنجع المعالجة.
إن أفضل و أنجح أساليب التربية هو أن يمتزج الجانب العمليّ بالجانب النظري في أيّة محاولة تربوية، و أن يطبق كل ما يدرسه الاستاذ بصورة عملية تطبيقية، و يعطي لما يلقيه من معلومات، صبغة تحقيقية، و يتجنّب بشدة اتّصاف أفكاره و آراءه بالطابع النظريّ البحت.
(٣) فلو أن الاستاذ المتخصّص في الطبّ اكتفى بالقاء جملة من المعلومات الكليّة و الاسس العامة من الطبّ على طلابه في الصف حرم النتائج المتوخّاة و الغايات
[١] الفرقان: ٣٢.