تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢٢٨ - سفرة إلى يثرب
العزيزة في اثناء الطريق في منطقه تدعى ب «الابواء» [١].
(١) إن هذه الحادثة قد عزّزت مكانة الرسول الكريم (صلّى اللّه عليه و آله) في عشيرته اكثر فأكثر، و جعلته يتمتع بمحبّة أزيد منهم، فهو الزهرة الوحيدة من تلك الجنينة المباركة، كما انه صار منذ ذلك الحين يتمتع بعناية أكبر من قبل جده «عبد المطلب» و لهذا كان يحبّه اكثر من أبنائه، بل و يؤثره عليهم جميعا.
و من ذلك أنه كان يمدّ في فناء الكعبة المعظمة بساط لزعيم قريش «عبد المطلب» فيجلس هو عليه و يتحلّق حوله وجوه قريش و سادتها و أولاده فإذا وقعت عيناه على بقية عبد اللّه «محمّد» أمر بأن يفرّج له حتى يتقدم نحوه ثم يجلسه الى جنبه على ذلك البساط المخصوص به [٢].
(٢) ان القرآن الكريم يذكّر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بفترة يتمه و يقول: «أ لم يجدك يتيما فآوى».
إن الحكمة وراء يتم وليد قريش ليست واضحة لنا تمام الوضوح، و لكننا نعلم إجمالا بأن سيل هذه الحوادث المؤلمة احيانا، و المزعجة احيانا اخرى لم يك خاليا عن حكمة معقولة و مصلحة رشيدة، بيد أننا مع كل هذا يمكن لنا الحدس بأن اللّه تعالى أراد أن يذوق قائد العالم البشرى و معلمه، و إمام الانسانية و هاديها- و قبل ان يتسلم مهامه، و يزاول مسئولياته العظمى و يبدأ قيادته- حلو الحياة و مرّها، و يجرّب سراء العيش و ضرّاءه، حتى تتهيّأ لديه تلك الروح الكبرى الصبورة الصامدة، و يدّخر من تلك الحوادث الصعبة تجارب و دروسا، و يعدّ نفسه لمواجهة مسلسل الشدائد و المصاعب، و المشاق و المتاعب التي كانت تنتظره في المستقبل.
(٣) و ربما أراد اللّه تعالى أن لا تكون في عنق نبيّه طاعة لأحد، و لهذا أنشأه حرا خليا من كل قيد، منذ الايام الاولى من حياته، يصنع نفسه بنفسه و يقيّض لها موجبات الرشد، و اسباب الرقيّ ليتضح أن نبوغه ليس نبوغا بشريا عاديا و مألوفا
[١] السيرة الحلبية: ج ١ ص ١٠٥.
[٢] السيرة النبوية: ج ١ ص ١٦٨.