تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١٥٨ - التفاني في سبيل الوفاء بالعهد و النذر
(١) فاقترحت قريش على عبد المطلب بان يفدي «عبد اللّه»، و اظهروا استعدادهم لدفع الفدية إذا جاز ذلك، فتحيّر «عبد المطلب» تجاه تلك المشاعر الساخنة، و الاعتراضات القوية، و راح يفكّر في عدم الوفاء بنذره، و يفكر في نفس الوقت في الحصول على مخلص معقول من هذه المشكلة، فقال له أحدهم: لا تفعل و انطلق إلى أحد كهنة العرب عسى أن يجد لك حلا.
فوافق «عبد المطلب» و اكابر قريش على هذا الاقتراح، و توجهوا بأجمعهم نحو «يثرب» قاصدين ذلك الكاهن، و لما قدموا عليه سألوه في ذلك فاستمهلهم يوما واحدا، و لما كان اليوم الثاني دخلوا عليه فقال لهم: كم دية المرء عندكم؟
قالوا: عشر من الابل.
فقال: ارجعوا إلى بلادكم، و قرّبوا عشرا من الإبل و اضربوا عليها و على صاحبكم «أي عبد اللّه» القداح فان خرجت القرعة على صاحبكم فزيدوا عشرا، حتى يرضى ربكم، و إن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم و نجا صاحبكم و كانت عنه فداء.
(٢) فهدّأ اقتراح الكاهن لهيب المشاعر الملتهبة لدى الناس، لأن نحر مئات الابل كان أسهل عليهم من أن يشاهدوا شابا مثل «عبد اللّه» يتشحط في دمه.
و لهذا فانهم فور عودتهم إلى «مكة» بادروا إلى اجراء القرعة في مجمع كبير من الناس و زادوا عشرا عشرا حتى اذا بلغ عدد الإبل مائة خرجت القداح على الإبل، و نجا «عبد اللّه» من الذبح، فأحدث ذلك فرحة كبيرة لدى الناس، بيد أن «عبد المطلب» طلب أن تعاد عملية القرعة قائلا: «لا و اللّه حتى أضرب ثلاثا»، و أنما أراد ذلك ليستيقن ان ربه قد رضي عنه، و لكن في كل مرة كانت القداح تخرج على الإبل المائة فنحرت الابل ثم تركت لا يمنع عنها انسان و لا سبع [١].
[١] السيرة النبوية: ج ١ ص ١٥٣، و بحار الانوار: ج ١٦ ص ٧٤، و قد نقل عن النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «أنا ابن الذبيحين» يقصد بالأول جدّه إسماعيل (عليه السلام) و الثاني أباه «عبد اللّه» الذي كاد أن ينحر و لكنه نجا من الذبح كما نجا جدّه إسماعيل (عليه السلام).