تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣١٨ - مثال واضح في المقام
فغريزة العمل و السعي تتخذ شيئا فشيئا صفة الحرص و الطمع، و غريزة حب السعادة و البقاء تتخذ صورة الانانية، و حب الجاه و المنصب، و يتجلى نور التوحيد و الإيمان في لباس الوثنية و عبادة الأصنام.
(١) في هذه الحالة يعمل سفراء اللّه الى البشرية: (الأنبياء و الرسل) على توفير ظروف الرشد و النمو الصحيح لتلك الغرائز و تلك القوى و الطاقات في ضوء الوحي، و البرامج الصحيحة المستلهمة من ذلك المنبع الالهي الهادي، و يقومون بالتالي بتعديل انحرافات الغرائز، و الوقوف دون تجاوزها حدودها المعقولة المطلوبة.
و لقد قال امير المؤمنين في ما مرّ من كلامه: إن اللّه أخذ- في مبدأ الخلق- ميثاقا يدعى «ميثاق الفطرة».
فما هو ترى المقصود من ميثاق الفطرة هذا؟
إن المقصود من هذا الميثاق هو: أن اللّه تعالى بخلقه و ايداعه الغرائز المفيدة في الكيان الإنساني، و بمزج الفطرة البشرية بعشرات الأخلاق الطيبة و السجايا الصالحة يكون قد أخذ من الإنسان ميثاقا فطريا بأن يتبع خصال الخير، و يأخذ بالغرائز الطيّبة الصالحة.
فاذا كان منح جهاز البصر (العين) للإنسان هو نوع من اخذ الميثاق من الإنسان بان يتجنب المزالق، و لا يقع في البئر، فكذلك ايداع حسّ التدين، و غريزة الانجذاب الى اللّه، و حبّ العدل، في كيانه هو الآخر نوع من اخذ الميثاق منه بأن يظل مؤمنا باللّه، موحّدا إياه، عادلا، منصفا، محبا للخير و الحق.
و إن وظيفة الأنبياء هي أن يحملوا الناس على العمل بمقتضى ميثاق الفطرة، و بالتالي فانّ مهمّتهم الأساسية الحقيقة هو تمزيق اغشية الجهل و تبديد سحب الغافلة التي قد ترين على جوهرة الفطرة المطعمة بنور الايمان، فتمنعها من الاشراق على وجود الإنسان، و تحرم الإنسان من هدايتها.
و من هنا قالوا: إن أساس الشرائع الالهية يتألف من الامور الفطرية، التي فطر الإنسان عليها.