تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٢٠ - أمين قريش في غار حراء
حوادثه في ذلك المكان التاريخي، العجيب.
(١) و يتحدث ذلك الغار هو الآخر إليهم بلسان الحال و يقول: هاهنا المكان الذي كان يتعبد فيه عزيز قريش و فتاها الصادق الامين.
و هاهنا قضى ليالي و أياما عديدة و طويلة قبل ان يبلغ مرتبة الرسالة، في عبادة اللّه، و التأمل في الكون، و في آثار قدرة اللّه و عظمته.
أجل، لقد اختار محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) ذلك المكان البعيد عن صحيح الحياة، للعبادة و التحنث، فكان يمضي جميع الايام من شهر رمضان فيه، و ربما لجأ إليه في غير هذا الشهر أحيانا اخرى، إلى درجة أنّ زوجته الوفيّة كانت إذا لم يرجع إلى منزلها، تعرف أنه قد ذهب إلى «غار حراء» و أنه هناك مشتغل بالعبادة و التحنث و الاعتكاف. و كانت كلّما أرسلت إليه أحدا وجده في ذلك المكان مستغرقا في التأمل و التفكير، او مشتغلا بالعبادة و التحنث.
(٢) لقد كان (صلّى اللّه عليه و آله) قبل أن يبلغ مقام النبوة، و يبعث بالرسالة يفكر- اكثر شيء- في أمرين:
١- كان يفكر في ملكوت السماوات و الارض، و يرى في ملامح كل واحد من الكائنات التي يشاهدها نور الخالق العظيم، و قدرته، و عظمته و علمه، و قد كانت تفتح عليه من هذا السبيل نوافذ من الغيب تحمل الى قلبه و عقله النور الالهيّ المقدس.
٢- كان يفكر في المسئولية الثقيلة التي ستوضع على كاهله.
إن اصلاح المجتمع في ذلك اليوم على ما كان عليه من فساد عريق و انحطاط عريض، لم يكن في نظره و تقديره بالأمر المحال الممتنع. و لكن تطبيق مثل هذا البرنامج الاصلاحيّ لم يكن في نفس الوقت أمرا خاليا من العناء و المشاكل، من هنا كان يفكر طويلا في الفساد في حياة المجتمع المكّي و ما يراه من ترف قريش، و كيفيّة رفع كل ذلك و اصلاحه.
لقد كان (صلّى اللّه عليه و آله) حزينا لما يرى من قومه من فساد العقيدة المتمثل في الخضوع للأوثان الميتة، و العبادة للأصنام الخاوية الباطلة، و لطالما