تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤٣٥ - تحججات قريش العجيبة
أمّا قولهم في مطلع اقتراحاتهم: «تفجّر لنا من الأرض ينبوعا» فان مقصودهم لم يكن هو أن يستخرج لهم بالاعجاز ينبوعا لينتفعوا به، بل يفعل ذلك لكي يؤمنوا به.
(١) ثالثا: ان المقصود من المعجزة هو الاهتداء في ضوئها إلى صحّة دعوى النبيّ و صدق مقاله، و الإيمان بمنصبه، و الاعتقاد بمقامه، و على هذا إذا كان بين المقترحين للمعجزة من يكون الاتيان له بالإعجاز سببا لإيمانه بالنبيّ، فحينئذ كان الاتيان بالمعجزة و تلبية اقتراحه أمرا مستحسنا، و غير مقبوح عقلا.
أما إذا كان المقترحون. يقترحون عنادا و لجاجا، أو يطلبون ما يطلبونه لهوا و تسلية كما يفعل الناس مع السحرة و المرتاضين فان منزلة الأنبياء أجلّ- حينئذ- من أن يلبيّ مثل هذه المقترحات، و يستجيب لمثل هذه المطالب، و قد كانت بعض اقتراحات المشركين من هذا النمط.
فان مطالبتهم بأن يصعد النبيّ الى السماء، أو أن ينزل من السماء كتابا يقرءونه لم يكن بهدف اكتشاف الحقيقة لأنهم لو كانوا ممن يهدف الوصول الى الحقيقة فلما ذا لم يكتفوا بمجرّد صعوده الى السماء بل كانوا يصرّون على أن يضمّ أمرا آخر إلى عروجه و صعوده (و هو أن ينزّل معه كتابا)!!
(٢) ثم انه يستفاد من آيات اخرى، غير هاتين الآيتين أيضا، أنهم كانوا سيعاندون، و يصرون على كفرهم حتى بعد نزول الكتاب عليهم من السماء كما يصرح بذلك قوله تعالى:
«وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» [١].
فمن غير المستبعد أن يكون الكتاب المنزّل في قرطاس إشارة إلى اقتراح المشركين الذي جاء ضمن آيات سورة الاسراء اي قولهم: «أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ» [٢] فقال اللّه سبحانه: حتّى لو
[١] الانعام: ٧.
[٢] الأسراء: ٩٣.