تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٥٧٣ - أوضاع المسلمين بعد بيعة العقبة
و بعد أن تمّت مراسم البيعة وعدهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بأن يهاجر إليهم في الوقت المناسب، ثم ارفض الجمع و عاد القوم إلى رحالهم [١].
(١)
أوضاع المسلمين بعد بيعة العقبة:
و الآن ينبغي أن نجيب بالتفصيل على السؤال الذي يطرح نفسه هنا و هو:
ما الذي دعى أهل يثرب الذين كانوا بعيدين عن مركز ظهور الاسلام إلى ان يستجيبوا لنداء الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و يأخذوا بتعاليمه اسرع من المكيين مع ما كان بين المكيين و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من القرابة القريبة؟!
و كيف تركت تلك اللقاءات المعدودة القصيرة بأهل يثرب آثارا تفوق الآثار التي تركتها الدعوة المحمّدية خلال ثلاثة عشر عاما في مكة؟!
إن علة هذا التقدم يمكن اختصارها و حصرها في أمرين:
(٢) أوّلا: أن اليثربيّين جاوروا اليهود سنينا عديدة و طويلة قبل الاسلام، و كثيرا ما كانوا يتحدّثون في مجالسهم و أنديتهم عن النبيّ العربيّ الذي يظهر، و يأتي بدين جديد.
حتى أن اليهود كانوا يقولون: للوثنيين إنّ هذا النبيّ سيقيم دين اليهود و ينشره، و يمحي الوثنية و يقضي عليها بالمرة.
فتركت هذه الكلمات أثرا عجيبا في نفوس أهل يثرب، و هيّأت قلوبهم لقبول الدين الذي كان بخبر عنه يهود و ينتظرونه، بحيث عند ما التقى الانفار الستة من اهل المدينة الى الايمان برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لأوّل مرّة، بادروا الى
[١] بحار الأنوار: ج ١٩ ص ٢٥ و ٢٦، السيرة النبوية: ج ١ ص ٤٤١- ٤٥٠، الطبقات الكبرى: ج ١ ص ٢٢١- ٢٢٣.
و في رواية اخرى في البحار: ج ١٩ ص ٤٧، كما اخذ موسى من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا و قد كان هذا العمل النبوي حكيما جدا لان عامة الناس لا يمكن التعويل و الاتكال على التزاماتهم بل لا بد من الاعتماد- ضمنا- على رموز المجتمع و مفاتيحه و هم وجوه القوم و سراتهم.