تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣١٠ - الآية الخامسة لو لم يشأ ما تلوته
و الشأن، و على ذلك يكون معنى الجملة: لم تكن راجيا لأن يلقى إليك الكتاب، و تكون طرفا للوحي، و الخطاب الّا من جهة خاصة، و هي أن تقع في مظلة رحمته و موضع عنايته، فيختارك طرفا لوحيه، و مخاطبا لكلامه، فالنبي بما هو انسان عادي لم يكن راجيا لأن ينزل إليه الوحي، و يلقى إليه الكتاب، و بما انه صار مشمولا لرحمته و عنايته، و صار انسانا مثاليا، قابلا لتحمل المسئولية، و تربية الامة، كان راجيا به، و على ذلك فالنفي و الاثبات غير واردين على موضع واحد.
و بهذا خرجنا بفضل هذا البحث الضافي أنه (صلّى اللّه عليه و آله) كان إنسانا مؤمنا موحّدا عابدا للّه ساجدا قائما بالفرائض العقلية و الشرعية مجتنبا عن المحرمات عالما بالكتاب و مؤمنا به إجمالا و راجيا لنزوله إليه إلى أن بعث لانقاذ البشرية عن الجهل، و سوقها إلى الكمال.
الآية الخامسة: لو لم يشأ ما تلوته
قال سبحانه: «قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ» [١]، و الآية تؤكد أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان لا بثا في قومه، و لم يكن تاليا لسورة من سور القرآن، أو آية من آياته و ليس هذا شيء ينكره القائلون بالعصمة، فقد اتفقت كلمتهم على أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) وقف على ما وقف عليه من آي الذكر الحكيم من جانب الوحي، و لم يكن قبله عالما به و اين هذا من قول المخطئة من نفي الايمان منه قبلها.
و ان اردت الاسهاب في تفسيرها فلاحظ الآية المتقدمة، فترى فيها اقتراحين للمشركين و قد اجاب القرآن عن أحدهما في الآية المتقدمة و عن الآخر في نفس هذه الآية و إليك نصّها: «قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» [٢].
[١] يونس: ١٦.
[٢] يونس: ١٥.