تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤١ - هل كان للعرب حضارة قبل الإسلام؟
(١) طبعا لا يمكن إنكار حضارة «سبأ و مأرب اليمن» العجيبة لأنه مضافا إلى ما جاء حول هذه الحضارة في التوراة، و ما نقل عن «هيردوتس» و غيره، كتب المؤرخ المعروف «المسعودي» عن مأرب يقول: إن أرض سبأ كانت من أخصب أراضي اليمن و أثراها و أغدقها، و اكثرها جنانا و غيطانا و أفسحها مروجا، بين بنيان و جسد مقيم و شجر موصوف و مساكب للماء متكاثفة، و أنهار متفرقة، و كانت مسيرة اكثر من شهر للراكب المجدّ على هذه الحال، و في العرض مثل ذلك، و انّ الراكب أو المارّ كان يسير في تلك الجنان من أولها إلى أن ينتهي الى آخرها لا يرى جهة الشمس، و لا يفارقه الظل لاستتار الارض بالعمارة و الشجر و استيلائها عليها و احاطتها بها، فكان أهلها في اطيب عيش و ارفهه، و أهنا حال و ارغده، و في نهاية الخصب و طيب الهواء و صفاء الفضاء، و تدفّق المياه و قوة الشوكة، و اجتماع الكلمة، و نهاية المملكة ... فذلّت لهم البلاد، و اذعن لطاعتهم العباد فصاروا تاج الارض» [١].
(٢) و خلاصة القول أن هذه الدلائل لا تدل على وجود حضارة في كل مناطق الجزيرة العربية و خاصة منطقة الحجاز التي لم تذق طعم الحضارة أبدا، حتى أن «غوستافلوبون» نفسه يعترف بهذه الحقيقة إذ يقول: «ان جزيرة العرب نجت من غزو الأجنبي خلا ما أصاب حدودها الشمالية، و إن عظماء الفاتحين من مصريين و أغارقة و رومان و فرس و غيرهم ممن انتهبوا العالم لم ينالوا شيئا من جزيرة العرب التي أوصدت دونهم أبوابها» [٢]
و على فرض صحة كل ما قيل عن وجود حضارة شاملة في جميع مناطق الجزيرة العربية فانه يجب القول بان القدر المسلّم في هذا المجال هو انه لم يبق أي اثر من هذه الحضارات في منطقة الحجاز، إبان طلوع الإسلام، و بزوغ شمسه، و هي حقيقة يصرح بها القرآن الكريم اذ يقول تعالى: «وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها» [٣].
[١] مروج الذهب: ج ٢ ص ١٦١ و ١٦٢.
[٢] حضارة العرب: ص ٩٣.
[٣] آل عمران: ١٠٣.