تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤٥٢ - الهجرة الاولى
بطلب من قريش، تماما كما طلبت من ملك الحبشة مثل هذا الطلب، و لكنه رفض طلبهم.
(١) و قد كانت الرحلة البحرية- في تلك الآونة- و بخاصة برفقة النساء و الاطفال رحلة شاقة جدا، من هنا كانت هذه الهجرة، و ترك الحياة و المعيشة في الوطن دليلا قويا على إخلاص اولئك المهاجرين لدينهم و عمق ايمانهم به، و صدقه.
و لقد كان ميناء «جدة» آنذاك ميناء تجاريا عامرا كما هو عليه الآن، و من حسن الاتفاق أن هذه الثلة المهاجرة قد وصلت الى هذا الميناء في الوقت الذي كانت فيه سفينتان تجاريتان على اهبة الاقلاع، و التوجه نحو الحبشة، فبادر المسلمون إلى ركوبها و السفر عليها دون تلكّؤ خشية لحاق قريش بهم و القبض عليهم، لقاء نصف دينار عن كل راكب.
و كان ذلك في شهر رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول اللّه [١].
و لما عرف المشركون بهجرة بعض المسلمين أمروا جماعة من رجالهم بملاحقة اولئك المهاجرين و أعادتهم الى مكة فورا، و لكن المسلمين المهاجرين كانوا قد غادروا شواطئ «جدة» قبل أن يدركهم الطلب [٢].
(٢) و من الواضح أن ملاحقة مثل هذه الثلة التي لم تلجأ إلى أرض الغير إلّا لأجل الحفاظ على عقيدتها و الفرار من الفتنة لنموذج بارز من عتوّ قريش و عنادها.
فاولئك المهاجرون مؤمنون تركوا الأهل و الوطن، و اغمضوا الطرف عن المال، و التجارة، و خرجوا يطلبون أرضا نائية يمارسون فيها شعائرهم بحرية، و مع ذلك لا يكف عنهم زعماء مكة و جبابرتها و طغاتها!!
اجل ان رؤساء «دار الندوة» بمكة و اقطابها كانوا يعلمون جيدا أسرار هذه
[١] بحار الأنوار: ج ١٨ ص ٤١٢ نقلا عن مجمع البيان للطبرسي.
[٢] السيرة النبوية: ج ١ ص ٣٢١- ٣٢٣.