تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤٥٠ - الهجرة الاولى
من كل اذى، و لكن الذين آمنوا به من الإماء و العبيد، و من ليست لهم حماية من الأحرار المستضعفين الذي كانوا يشكلون عددا كبيرا من المسلمين السابقين كان يتعرضون لشتى صنوف العذاب و الايذاء و المضايقة من قريش التي لم تأل جهدا، و لم تدخر وسعا، و لم تفوّت فرصة و لا وسيلة لالحاق العنت و الأذى بالمؤمنين برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا يستطيع (صلّى اللّه عليه و آله) منعهم من ذلك.
و قد كان زعماء كل قبيلة يعمدون- للمنع من نشوب أيّ صدام بين القبائل- الى تعذيب من اسلم من ابناء قبيلتهم، و ايذائه و التنكيل به، و قد مرت عليك نماذج و امثلة من أذى قريش و تعذيبها القاسي للمسلمين.
(١) لهذه الأسباب عند ما طلب أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) رأيه في الهجرة من مكة قال في جوابهم:
«لو خرجتم إلى أرض الحبشة فانّ بها ملكا لا يظلم عنده أحد و هي أرض صدق حتى يجعل اللّه لكم فرجا ممّا أنتم فيه» [١].
أجل ان مجتمعا صالحا يتسلّم زمام الأمر فيه رجل صالح عادل نموذج مصغّر من جنّة عدن بالنسبة الى المسلمين المضطهدين في بلدهم بسبب عقيدتهم، و هو ما كان يريده و يتمناه أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليتمكنوا من القيام بشعائر دينهم فيه في جوّ من الطمأنينة و الامن.
و لقد كان لكلام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أثر قوى في نفوسهم تلك الثلة المؤمنة الباحثة عن ارض تعبد فيها اللّه في أمان، بحيث لم يمض زمان إلّا و قد شدّت رحالها و غادرت مكة ليلا في غفلة من الاجانب (المشركين) مشاة و ركبانا، متجهة نحو جدّة، للسفر عبر مينائها الى ارض الحبشة.
و كان هذا الفريق يتألف من عشر أو خمسة عشر شخصا بينهم أربعة من
[١] السيرة النبوية: ج ١ ص ٣٢١، تاريخ الطبري: ج ٢ ص ٧٠، و بحار الأنوار: ج ١٨ ص ٤١٢ نقلا عن مجمع البيان للطبرسي.