تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢٩٩ - الآية الاولى الهداية بعد الضلالة
فاقدا لها بحسب ذاته، و بحكم طبيعته، و يعود زمن هذه العناية الربانية بنبيه إلى مطلع حياته، و اوليات عمره و ايام صباه بقرينة ذكر ذلك بعد الايواء الذي تحقق باليتم، و تمّ بجده عبد المطلب فوقع في كفالته إلى ثمانية سنين، و يؤيد ذلك قول امام المتقين علي بن ابي طالب (عليه السلام): «و لقد قرن اللّه به (صلّى اللّه عليه و آله) من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، و محاسن أخلاق العالم ليله و نهاره» [١].
و صفوة القول أن المراد بكونه ضالا هو أن لازم كون النبي ممكنا بالذات هو كونه فاقدا في ذاته لكل كمال و جمال، مفاضا عليه كل جميل من جانب اللّه تعالى و هذا هو اشارة إلى مقتضى التوحيد الافعالي و اين هذا من الضلالة المساوقة للكفر أو الشرك أو الفسق و العصيان؟!
ثم ان من المحتمل ان تكون الضلالة في الآية مأخوذة من «ضلّ الشيء اذا لم يعرف مكانه» و في الحديث «الحكمة ضالّة المؤمن» اي مفقودته، لا ضدّ الهداية و الرشاد، فيكون الضالّ بهذا المعنى منطبقا على ما نقله أهل السير و التواريخ عن ما جرى للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في ايام صباه يوم ضلّ في شعاب مكة، و هو صغير فمنّ اللّه عليه اذ ردّه الى جدّه، و قصته معروفة في كتب السير و التاريخ [٢] و لو لا رحمة اللّه سبحانه لادركه الهلاك و مات عطشا أو جوعا فشملته العناية الالهية.
أو أن تكون الضلالة في الآية مأخوذة من «ضلّ الشيء اذا خفي و غاب عن الأعين» فالانسان الضال هو الإنسان المخفي ذكره، المنسيّ اسمه لا يعرفه إلا القليل من الناس، و لا يهتدي كثير منهم إليه.
و لو كان هذا هو المقصود، كان معناه حينئذ انه سبحانه رفع ذكره، و عرّفه
[١] نهج البلاغة: من الخطبة ١٧٨ و المسمّاة بالقاصعة ص ١٨٢.
[٢] لاحظ السيرة الحلبية: ج ١ ص ١٣١ و غيره، و في هذه القصة يروي عن حيدة بن معاوية العامري سمعت شيخا يطوف بالبيت و هو يقول:
يا ربّ ردّ راكبي محمّدا--أردده ربّي و اصطنع عندي يدا