تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢٩٨ - الآية الاولى الهداية بعد الضلالة
٣- الضالّ: من ضلّ الشيء اذا ضؤل و خفى ذكره.
و تفسير الآية بأيّ واحدة من هذه المعاني لا يثبت ما يدعيه الذين يتمسكون بها لاثبات ضلال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قبل البعثة.
أما المعنى الأول فهو المقصود في كثير من الآيات قال سبحانه: «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ» [١].
لكن الضلالة على نوعين:
النوع الأول ما تكون الضلالة فيه أمرا وجوديا في النفس يوجب ظلمة النفس و منقصتها، مثل الكفر و الشرك و النفاق، و الضلالة بهذا المعنى قابلة للزيادة و النقصان قال سبحانه: «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ» [٢].
النوع الثاني ما تكون الضلالة فيه أمرا عدميا، و ذلك عند ما تكون النفس فاقدة للرشاد، و عندئذ يكون الإنسان ضالا بمعنى أنه غير واجد للهداية من عند نفسه، و ذلك كالطفل الذي أشرف على التمييز و كاد أن يعرف الخير و الشر، و يميز بين الصلاح و الفساد فهو آنذاك ضالّ بمعنى أنه غير واجد للنور الذي يهتدي به في سبل الحياة لا بمعنى كينونة ظلمة الكفر و الفسق في نفسه و روحه.
و المراد من الضالّ في قوله تعالى «وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى» لو كان ما يضادّ الهداية فهو يهدف الى النوع الثاني، فيكون المعنى انك في ابان عمرك كنت غير واجد للهداية من عند نفسك فهداك اللّه إلى اسباب السعادة و عرفك عوامل الشقاء، و هو اشارة إلى قانون الهي عام في حياة البشر انبياء و اناسا ماديين، و هو ان هداية كل إنسان بل كل ممكن مكتسبة من اللّه قال سبحانه: «قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» [٣].
و على هذا الاساس فالآية تهدف إلى ذكر النعم التي انعم اللّه بها على نبيه الحبيب منذ ان استعد لها فاواه بعد ما صار يتيما، و أفاض عليه الهداية بعد ما كان
[١] الفاتحة: ٧.
[٢] التوبة: ٣٧.
[٣] طه: ٥٠، و راجع الآيات: ٢ و ٣ من سورة الأعلى و ٤٣ من سورة الأعراف و ٧٨ من سورة الشعراء و غيرها.