تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤٠٢ - ثبات النبي
الجماعة، و عناصر هذه النهضة لم يكونوا من قبيلة واحدة، ليمكن مواجهتها و ضربها بكلّ قوة، بل انتمى من كل قبيلة إلى الإسلام، عدد من الأفراد، و من هنا لم يكن اتّخاذ أيّ قرار حاسم بحقّهم أمرا سهلا و بسيطا.
(١) من هنا قرّر سادة قريش و كبراؤها- بعد تداول الأمر في ما بينهم- أن يبدءوا بالقضاء على أساس هذه الجماعة، و محرّك هذا الحزب، و الداعي إلى هذه العقيدة بمختلف الوسائل فيحاولوا ثنيه عن دعوته بالاغراء و التطميع تارة و يمنعوا من انتشار دينه بالتهديد و الايذاء تارة اخرى.
و قد كان هذا هو برنامج قريش و موقفها من الدعوة طيلة عشر سنوات و هي المدة المتبقية من سنوات البعثة من الفترة المكية، الى ان قررت بالتالى قتله، و لكنه استطاع ان يبطل مؤامرتهم بالهجرة إلى المدينة قبل أن يتمكنوا من القضاء عليه.
(٢) و لقد كان «أبو طالب» آنذاك زعيم بني هاشم و رئيسها المطلق، و كان رجلا طاهر القلب عالي الهمّة، شجاعا، كريما، و كان بيته ملجأ دافئا للمحرومين و المستضعفين، و ملاذا أمينا للفقراء و الأيتام، و كان يتمتع في المجتمع العربي- علاوة على رئاسة مكة و بعض مناصب الكعبة- بمكانة كبرى و منزلة عظيمة، و حيث أنّه كان كفيلا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد وفاة جدّه «عبد المطلب»، لذلك حضر سادة قريش بصورة جماعية [١] عنده و قالوا له:
«يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، و عاب ديننا، و سفّه أحلامنا و ضلّل آباءنا، فأمّا أن تكفّه عنّا، و إما أن تخلّي بيننا و بينه».
(٣) و لكن «أبا طالب» قال لهم قولا رفيقا و ردّهم ردّا جميلا حكيما، فانصرفوا عنه.
بيد أنّ نفوذ الإسلام و انتشاره كان يتزايد باستمرار، و كانت جاذبيّة الدّين المحمّدي، و بيان القرآن البليغ يساعدان على ذلك، فيترك اثره في الناس،
[١] ادرج ابن هشام في سيرته: ج ١ ص ٢٦٤ و ٢٦٥ اسماءهم بالتفصيل.