تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١٣٩ - العبر القيامة في هذه القصة
مهما كان صغيرا و حقيرا فكيف تعبدونه اذن؟!
(١) و لقد استفاد «إبراهيم» من هذه العملية فعلا، و توصل الى النتيجة التي كان يتوخاها، فقد ثابوا الى نفوسهم بعد ان سمعوا كلمات «إبراهيم» (عليه السلام)، و استيقظت ضمائرهم و عقولهم و وصفوا انفسهم بالظلم بعد أن تبيّن لهم الحق و بطل ما كانوا يعبدون اذ قال تعالى: «فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ» [١] و هذا بنفسه يفيد بأن سلاح الأنبياء القاطع في بدء عملهم الرسالي كان هو: سلاح المنطق و الاستدلال ليس إلا، غاية الأمر أن هذا كان يؤدى في كل دورة بما يناسبها من الوسائل، و إلّا فما قيمة تحطيم عدد من الأصنام الخشبية بالقياس إلى مخاطرة النبيّ «ابراهيم الخليل» بنفسه و حياته، و بالقياس الى الاخطار التي كانت تتوجه إليه نتيجة هذا العمل الصارخ.
إذن فلا بد ان يكون وراء هذه العملية الخطيرة هدف كبير و خدمة عظمى تستحق المخاطرة بالنفس، و يستحق المرء امتداح العقل له اذا عرّض حياته للخطر في سبيلها.
(٢) ٣- لقد كان إبراهيم يعلم جيدا بأن هذا العمل سيؤدي بحياته، و سيكون فيه حتفه، فكانت القاعدة تقتضي أن يسيطر عليه قلق و اضطراب شديدان، فيتوارى عن اعين الناس، أو يترك المزاح، و السخرية بالأصنام على الأقل، و لكنه كان على العكس من ذلك رابط الجأش، مطمئن النفس، ثابت القدم، فهو عند ما دخل في المعبد الذي كانت فيه الأصنام تقدم بقطعة من الخبز الى الاصنام و دعاها ساخرا بها، الى الاكل، و ثم ترك الأصنام بعد اليأس منها تلّا من الخشب المهشم، و اعتبر هذا الأمر مسألة عادية لا تستأهل الوجل و الخوف، و كأنه لم يفعل ما يستتبع الموت المحقّق و يستوجب الاعدام المحتّم.
فهو عند ما يأخذ مكانه امام هيئة القضاة يقول معرضا بالاصنام: فعله كبير الأصنام فاسئلوه و لا شك أن هذا التعريض و السخرية بالاصنام إنما هو موقف من
[١] الأنبياء: ٦٤.