تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١٤٠ - العبر القيامة في هذه القصة
لا يوجس خيفة، و لا يشعر بوجل من عمله، بل هو فعل من قد هيّأ نفسه لكل الاخطار المحتملة، و استعد لكل النتائج مهما كانت خطيرة.
(١) بل الأعجب من هذا كله دراسة وضع «إبراهيم» نفسه حينما كان في المنجنيق و قد تيقّن أنه سيكون وسط ألسنة اللهب بعد هنيئة، و تلتهمه النار المستعرة تلك النار التي جمع اهل «بابل» لها الحطب الكثير تقربا الى آلهتهم، و كانوا يعتبرون ذلك العمل واجبا مقدسا ... تلك النار التي كان لهيبها من القوة بحيث ما كانت الطيور تستطيع من التحليق على مقربة منها.
في هذه اللحظة الخطيرة الحساسة جاءه جبرئيل و اعلن عن استعداده لانقاذه و تخليصه من تلك المهلكة الرهيبة قائلا له: هل لك إليّ من حاجة؟
فقال «إبراهيم»: أما إليك فلا، و أما إلى ربّ العالمين فنعم [١].
ان هذا الجواب يجسّد ايمان «إبراهيم» العظيم، و روحه الكبرى.
(٢) لقد كان «نمرود» الذي جلس يراقب تلك النار من عدة فراسخ، ينتظر بفارغ الصبر لحظة الانتقام، و كان يحب ان يرى كيف تلتهم ألسنة النار «إبراهيم». فما أرهب تلك اللحظات!
لقد اشتغل المنجنيق، و بهزّة واحدة القي بإبراهيم (عليه السلام) في وسط النار غير أن مشيئة اللّه، و ارادته النافذة تدخلت فورا لتخلص خليل اللّه و نبيه العظيم، فحوّلت تلك النّار المحرقة التي أو قدتها يد البشر الى روضة خضراء و جنينة زاهرة ادهشت الجميع حتى أنّ «إبراهيم» التفت إلى «آزر» و قال- من دون ارادته-:
«يا آزر ما اكرم إبراهيم على ربّه» [٢].
(٣) إن انقلاب تلك النّار الهائلة الى روضة خضراء لإبراهيم قد تمّ بأمر اللّه المسبب للأسباب و المعطل لها متى شاء، المعطي لها آثارها، و السالب عنها ذلك، متى اراد.
[١] عيون أخبار الرضا: ص ١٣٦، و أمالي الصدوق: ص ٢٧٤، و بحار الأنوار: ج ١٢ ص ٣٥.
[٢] تفسير البرهان: ج ٣ ص ٦٤.