تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٤٣٣ - تحججات قريش العجيبة
(١) و هذا الشرط لم يكن متوفرا في بعض مقترحات المشركين المذكورة (المقترح الرابع) فانهم طلبوا من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ان يأتي لهم باللّه سبحانه و تعالى ليقابلوه وجها لوجه، و يروه جهرة و من قريب، و رؤية اللّه تعالى امر محال، لأن رؤيته تستلزم أن يكون سبحانه محدودا بالزمان و المكان، و أن يكون جسما و ذلون و صورة و هو تعالى منزه عن المادّة و لوازم المادية.
بل حتى مقترحهم الثالث لو كان المقصود منه أن تسقط السماء عليهم (لا أن تسقط قطعة من الصخر على رءوسهم و تقتلهم) فان ذلك هو أيضا من المحالات إذ أن المشيئة الالهية تعلّقت بان يفعل اللّه هذا في نهاية العالم، و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كان قد أخبر المشركين بهذا الأمر أيضا كما يدل عليه قولهم:
«كما زعمت».
إنّ انهدام المنظومة الشمسيّة و تبعثر النجوم و تساقطها و إن لم يكن في حد ذاته بالأمر المحال، و لكنّه- حسب المشيئة الإلهية الحكمية و إرادته النافذة القاضية بأن يستمر النوع البشري، و يصل إلى مرحلة الكمال- يعدّ محالا، و لا يمكن أن يفعل حكيم خلاف ما يقتضيه هدفه و غايته.
(٢) ثانيا: حيث أنّ الغاية المنشودة من اقتراح و طلب الإعجاز هو أن يستدلّ به على صدق دعوى النبيّ، و صحة انتسابه الى اللّه، و بالتالي يكون بدافع تحصيل سند على ارتباطه بالعالم ما فوق الطبيعة، لذلك فان أيّ اقتراح و مطالبة بالمعجزة لا تتوفر فيها هذه الصفة يعني على فرض أن يلبيّ النبي طلبهم و ياتي لهم بالمعجزة لا يكون ذلك دليلا على ارتباطه بعالم الغيب، فحينئذ لا معنى و لا موجب لأن يقوم النبيّ بما لا يرتبط بشئونه و لا يخدم هدفه.
و قد كانت بعض مقترحات المشركين المذكورة من هذا النوع، و ذلك مثل تفجير ينبوع من الأرض، أو أن تكون له جنّة من نخيل و عنب، أو أن يكون له بيت من زخرف و ذهب، فان مثل هذه الامور لا تدل على نبوّة من يمتلكها إذ ما اكثر الذين يمتلكون واحدة من هذه الأشياء و ليسوا مع ذلك بأنبياء، بل ربما يملكون اكثر من ذلك، و مع ذلك لا يشم فيهم رائحة الايمان فضلا عن النبوة.