تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢٥٣ - سبب آخر لرعي الغنم
الصفات، و حملها على مشاق الاعمال:
(١)
سبب آخر لرعي الغنم:
و يمكن أن نذكر هنا سببا آخر أيضا و هو ان رجلا حرّ النفس و العقل كرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تجري في شرايينه و عروقه دماء الغيرة و الشجاعة كان يشق عليه ان يشاهد كل ذلك الظلم و الحيف الذي كان يمارسه طغاة مكة، و عتاة قريش و زعماؤها الظالمون القساة بحق الضعفاء، و المحرومين، و كذا كان يشق عليه ان يرى تظاهرهم بالعصيان و الفسوق في حرم اللّه، و عند بيته المعظم.
إن اعراض سكّان مكة عن عبادة اللّه الواحد الحق، و طوافهم حول تلك الأصنام الخاوية هي- بلا ريب- أسوأ و اقبح ما يكون في نظر الرجل الفاهم، و العاقل العالم، و اثقل ما يكون عليه.
من هنا رأى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أن يقضي ردحا من الزمن في الصحاري و القفار و عند سفوح الجبال التي كانت يومئذ بعيدة بطبيعة الحال عن تلك المجتمعات الفاسدة و أحوالها و أوضاعها، ليستريح (أو يتخلص) بعض الشيء من آلامه الروحية الناشئة من رؤية تلك الأوضاع المزرية، و الأحوال المشينة.
(٢) على أنّ هذا الأمر لا يعني أن للرجل المتقي أن يسكت على الفساد و الظلم، و يقرّ عليهما.
و يفرّق بين حياته و حياة الآخرين و يعتزل عنهم و يتخذ موقف اللامبالاة تجاه الأوضاع المنحرفة، و الاحوال الشاذة، بل ان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لما كان مأمورا من جانب اللّه سبحانه بالسكوت و الانتظار، لانه لم تكن ظروف «البعثة» و الهداية قد توفرت و تهيأت بعد لذلك اتخذ (صلّى اللّه عليه و آله) مثل هذا الموقف.