تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١٤٢ - هجرة الخليل
الذاهبة من الشام الى اليمن، و العائدة منها الى الشام، بعض الوقت ثم ترحل سريعا، و أما في بقية أوقات السنة فكانت كغيرها من أراضي الحجاز صحراء شديدة الحرارة، خالية عن أي ساكن مقيم.
(١) لقد كانت الاقامة في مثل تلك الصحراء الموحشة عملية لا تطاق بالنسبة لامرأة عاشت في ديار العمالقة و ألفت حياتهم و حضارتهم، و ترفهم و بذخهم.
فالحرارة اللاهبة و الرياح الحارقة في تلك الصحراء كانت تجسّد شبح الموت الرهيب امام ابصار المقيمين.
و إبراهيم نفسه قد انتابته كذلك حالة من التفكير و الدهشة لهذا الأمر، و لهذا فإنّه فيما كان عازما على ترك زوجته «هاجر» و ولده «إسماعيل» في ذلك الواد قال لزوجته «هاجر» و عيناه تدمعان: «إن الذي أمرني أن اضعكم في هذا المكان هو الذي يكفيكم».
ثمّ قال في ضراعة خاصة: «رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» [١].
و عند ما انحدر من ذلك الجانب من الجبل التفت إليهما و قال داعيا: «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» [٢].
إن هذا السفرة و الهجرة و إن كانت في ظاهرها امرا صعبا، و عملية لا تطاق، إلا أن نتائجها الكبرى التي ظهرت في ما بعد أوضحت و بيّنت أهميّة هذا العمل، لأنّ بناء الكعبة، و تأسيس تلك القاعدة العظمى لأهل التوحيد، و رفع راية التوحيد في تلك الربوع، و خلق نواة نهضة، عميقة، دينية، انبثقت على يد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم و شعّت من تلك الديار إلى أنحاء العالم، كل ذلك كان من ثمار تلك الهجرة.
[١] البقرة: ١٢٦
[٢] إبراهيم: ٣٧.