تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٥١٥ - نماذج من مشاعر أبي طالب
الأشخاص و عواطف وديّة قويّة أبداها البعض تجاه بعض تدور اكثرها حول محور الدوافع المادية كالتي تدور حول معيار الجمال أو المال، و لهذا سرعان ما يذهب الحماس و ينطفئ شعلة الحبّ، و يتضاءل لهيب العاطفة في كيانهم حتى تزول بالمرّة و لا يبقى منها شيء أبدا لعدم ثبات هذه الدوافع.
(١) و لكنّ المشاعر و العواطف التي تنبع من أواصر الايمان بفضائل شخص ما و كمالاته الروحية و المعنوية لا تنمحي و لا تتلاشى بسرعة.
و قد كانت مودة «أبي طالب» لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و حبّه الشديد له تنبع من كلا هذين الدافعين.
فقد كان «أبو طالب» يؤمن بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و يرى فيه من جانب الانسان الكامل، بل يعتبره في قمة الكمال الانساني، و من جانب آخر كان «محمّد» ابن أخيه، و قد أحلّه ذلك من قلبه محلّ الابن و الأخ.
لقد كانت لصفات «محمّد» و خصاله المعنوية و الأخلاقية، و طهره مكانة كبرى في قلب عمّه «أبي طالب» إلى درجة أنه كان يصطحبه معه إلى المصلّى، و يستسقي به أي انه يقسم على اللّه بمقامه أن يدفع عن الناس القحط و الجدب و ينزّل عليهم الغيث، فكانت دعونه تستجاب من دون تأخير.
(٢) فقد نقل كثير من المؤرخين الحادثة التالية:
قحط الناس في «مكة» و حواليها سنة من السنين، و منعت السماء و الأرض بركاتهما عنهم بشكل عجيب، فمشت قريش بعيون باكية إلى «أبي طالب» تطلب منه بالحاح أن يستسقي لهم، و ان يذهب الى المصلى و يدعو ربّه لينزّل عليهم المطر و ينقذهم من تلك المحنة الصعبة.
فخرج «أبو طالب» و قد اخذ بيد غلام كأنه شمس دجن تجلّت عنها غمامة فاسند ظهره إلى الكعبة و رفع وجهه نحو السماء و قال: يا رب هذا الغلام اسقنا غيثا مغيثا، دائما هاطلا.
(٣) و يكتب المؤرخون ان السماء كانت صافيه لا غيم فيها أبدا ساعة استسقى «أبو طالب» برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لكن ما ان فرغ «أبو طالب» من دعائه