تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٢٧٧ - احاسيسه و مشاعره الإنسانية في فترة الشباب
و في عظمة الصنع الالهي، الرائع البديع.
(١)
احاسيسه و مشاعره الإنسانية في فترة الشباب:
و لقد وقعت في احدى أسواق مكة ذات يوم حادثة هيّجت مشاعره الانسانية و حركت عواطفه و احاسيسه، فقد رأى مقامرا قد خسر بعيره و بيته، بل بلغ الأمر به أن استرقه منافسه عشرة أعوام.
و قد آلمت هذه القصة المأساوية فتى قريش «محمّد» بشدة، الى درجة أنّه لم يعد يحتمل البقاء في «مكة» ذلك اليوم فغادرها من فوره و ذهب الى الجبال المحيطة بمكة ثم عاد بعد هزيع من الليل.
لقد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ينزعج بشدة لهذه المشاهد المحزنة و الاوضاع المأساوية، و كان يتعجب من ضعف عقول قومه، و انحطاط مداركهم.
(٢) و لقد كان بيت «خديجة» قبل زواج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بها ملاذا للفقراء و كعبة لآمال المساكين و المحرومين، و بعد أن تزوج النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بها لم يطرأ على وضع ذلك البيت أي تغيير من جهة الانفاق و البذل.
ففي سنين الجدب و القحط التي كانت تضرب مكة و ضواحيها بين الحين و الآخر ربما قدمت «حليمة السعدية» مكة لتزور ولدها الرضاعي «محمّد» فكان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يكرمها و يحترمها، و يفرش رداءه تحت أقدامها، و يصغي لكلامها بعناية و لطف، وفاء لجميلها، و عرفانا لعواطفها و امومتها.
فقد روي أن «حليمة» قدمت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مكة بعد تزوّجه خديجة، فشكت إليه جدب البلاد و هلاك المواشي فكلم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «خديجة» فأعطتها بعيرا و اربعين شاة، و انصرفت الى أهلها موفورة، مسرورة.
و روي أيضا انه استأذنت «حليمة» عليه ذات مرة فلما دخلت عليه قال:
«امّي امّي» و عمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه [١].
[١] السيرة الحلبية: ج ١ ص ١٠٣.