تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٠٤ - الآية الثالثة عدم علمه بالكتاب و الايمان
قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَ زُوراً. وَ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» [١].
و الآية المبحوثة بصدد بيان هذا الأمر، و انه وحي سماوي لا افك افتراه، و لهذا بدأ كلامه بلفظة: «و كذلك أوحينا إليك» أي كما أنه سبحانه أوحى إلى سائر الأنبياء باحدى الطرق الثلاثة التي بينها في الآية المتقدمة، أوحى إليك أيضا روحا من امره، و ليس هذا كلامك و صنيعك، بل كلام ربك و صنيعه.
هذا مجمل الكلام في الآية و لاجل رفع النقاب عن مرماها نقدّم امورا تسلط الضوء على الآية:
الأول: ان المراد من الروح في لآية هو القرآن و سمّي روحا لانه قوام الحياة الاخروية، كما ان الروح في الإنسان قوام الحياة الدنيوية، و يؤيد ذلك امور:
أ- ان محور البحث الأصلي في سورة الشورى هو: الوحي و الآيات الواردة فيها البالغ عددها (٥٣) آية تبحث عن ذلك المعنى بالمباشرة او بغيرها.
ب- الآية التي تقدمت على تلك، تبحث عن الطرق التي يكلم بها سبحانه انبياءه و يقول: «وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ» [٢].
ج- انه سبحانه بدأ كلامه في هذه الآية بلفظة: «و كذلك» اي كما أوحينا إلى من تقدم من الأنبياء كذلك أوحينا إليك باحدى تلك الطرق «روحا من أمرنا» و وجه الاشتراك بينه و بين النبيين هو الوحي المتجلي في نبينا بالقرآن و في غيره بوجه آخر.
كل ذلك يؤيد ان المراد من الروح في الآية المبحوثة هو القرآن الملقى إليه.
نعم وردت في بعض الروايات ان المراد منه هو روح القدس، و لكنه لا ينطبق على ظاهر الآية، لان الروح بحكم كونه مفعولا ل: «أوحينا» يجب ان
[١] الفرقان: ٤- ٦.
[٢] الشورى: ٥١.