تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٥٧٤ - أوضاع المسلمين بعد بيعة العقبة
الايمان به من غير إبطال و لا تأخير بعد أن قال بعضهم لبعض: و اللّه إنّه للنبيّ الذي توعّدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه.
(١) و من هنا فان مما يأخذه القرآن على اليهود هو: أنكم كنتم تهددون الوثنيين بالنبيّ العربيّ، و تبشرون الناس بانه سيظهر، و انهم قرءوا أوصافه و علائمه في التوراة، فلما ذا رفضوا الإيمان به لمّا جاء (صلّى اللّه عليه و آله).
يقول تعالى:
«وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ» [١].
(٢) ثانيا: إنّ العامل الأخير الذي يمكن اعتباره دخيلا في التأثير في نفوس اليثربيين و سرعة إقبالهم على الإسلام و تقبّلهم لدعوة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) هو التعب و الارهاق الذي كان اهل يثرب قد اصيبوا به من جرّاء الحروب الطويلة الدامية فيما بينهم و التي استمرّت مائة و عشرين عاما و التي انهكتهم و كادت أن تذهب بما تبقّى من رمقهم، و جعلتهم يملّون الحياة، و يفقدون كلّ أمل في تحسّن الأحوال و الاوضاع.
و إن مطالعة وقعة «بعاث» و هي- حرب وقعت بين الأوس و الخزرج- وحدها كفيلة بأن تجسد لنا الوجه الواقعي الذي كان عليه سكان تلك الديار.
(٣) ففي هذه الوقعة انهزم الاوسيّون على يد الخزرجيين، فهربوا الى «نجد»، فعيّرهم الخزرجيّون بذلك، فغضب «الحضير» سيد الأوس، لذلك غضبا شديدا، فطعن فخذه برمحه لشدة انزعاجه و غضبه، و ترجّل عن فرسه و صاح بقومه قائلا:
و اللّه لا أقوم من مكاني هذا حتى اقتل!! فأوقد صمود «الحضير» و ثباته نار الحمية و الغيرة و اشعل روح الشهامة و البسالة في قومه، فقرروا الدفاع عن حقهم مهما كلفهم الأمر، فقاتلوا أعداءهم مستميتين، و المستميت منتصر لا محالة، فانتصر
[١] البقرة: ٨٩.