تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١٢١ - مولد إبراهيم
في دولة «نمرود بن كنعان».
و كان نمرود هذا رغم أنه يعبد الصنم يدّعي الالوهيّة و يأمر الناس بعبادته.
(١) و قد يبد و هذا الأمر عجيبا جدا فكيف يمكن ان يكون الشخص عابد صنم و مع ذلك يدّعي الالوهية في الوقت نفسه، إلّا أن القرآن الكريم يذكر لنا نظير هذه المسألة في شأن «فرعون مصر»، و ذلك عند ما هزّ النبي موسى بن عمران (عليه السلام) قواعد العرش الفرعوني بمنطقه القويّ، و حجته الصاعقة، فاعترض أنصار فرعون و ملأوه على هذا الأمر، و خاطبوا فرعون بلهجة معترضة قائلين:
«أَ تَذَرُ مُوسى وَ قَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ» [١].
(٢) و من الواضح جدّا أن «فرعون» كان يدعي الالوهية فهو الذي كان يقول:
«أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى» [٢] و هو القائل: «ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» [٣] و لكنه كان في الوقت نفسه عابد صنم و وثنيا.
بيد أنّ هذه الازدواجية ليست بأمر غريب عند الوثنيين، و لا يمنع مانع في منطقهم أن يكون الشخص نفسه وثنيا يعبد الصنم، و مع ذلك يدّعي أنه إله و يدعو الناس إلى عبادته فيكون الها معبودا، يعبد الها أعلى منه، لأن المقصود من المعبود و الاله ليس هو خالق الكون بل هو من يتفوّق على الآخرين بنحو من أنحاء التفوق و يمتلك زمام حياتهم بشكل من الإشكال.
هذا و التاريخ يحدثنا أن العوائد في بلاد الروم كانت تعبد كبارها و مع ذلك كان اولئك الكبار المعبودين انفسهم يتخذون لأنفسهم معبودا أو معبودات اخرى.
(٣) إن أكبر وسيلة توسّل بها «نمرود» قي هذا السبيل هو استقطاب جماعة من الكهنة و المنجمين الذين كانوا يعدّون الطبقة العالمة و المثقّفة في ذلك العصر.
فقد كان خضوع هذه الطبقة يمهّد لاستعمار الطبقة المنحطة و غير الواعية من الناس.
هذا مضافا إلى أنه كان يناصر «نمرود» بعض من ينتسب إلى «الخليل»
[١] الأعراف: ١٢٧.
[٢] النازعات: ٢٤.
[٣] القصص: ٣٨.