تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ١٢٦ - حوار الخليل مع عبدة الكواكب
الظلام، و بثت خيوطها الذهبية على الوهاد و السهول، و التفت عبدة الشمس الى معبودهم، تظاهر ابراهيم بالاقرار بربوبيتها اتباعا لقواعد الجدل و المناظرة و لكن افول الشمس و غروبها اثبت هو الآخر بطلان عبادتها أيضا بعد أن اثبت خضوعها للنظام الكوني العام، فتبرأ «الخليل» (عليه السلام) من عبادتها بصراحة.
و عندئذ أعرض (عليه السلام) عن تلك الطوائف الثلاث و قال: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» [١].
لقد كان المخاطبين في كلام إبراهيم (عليه السلام) هم الذين يعتقدون بأن تدبير الكائنات الارضية، و منها الإنسان، قد انيطت إلى الاجرام السماوية و فوضت إليها!!
(١) و هذا الكلام يفيد أن الخليل (عليه السلام) لم يقصد المطالب الثلاث التالية:
١- اثبات الصانع (الخالق).
٢- توحيد الذات و أنه واحد غير متعدد.
٣- التوحيد في الخالقية، و أنه لا خالق سواه.
بل كان تركيزه (عليه السلام) على التوحيد في «الربوبية» و «التدبير» و ادارة الكون، و انه لا مدبّر و لا مربي للموجودات الأرضية إلّا اللّه سبحانه و تعالى، و من هنا فانه (عليه السلام) فور إبطاله لربوبية الاجرام السماوية قال: «وجّهت وجهي للّذي فطر السماوات و الأرض ...» و هو يعني ان خالق السماوات و الأرض هو نفسه مدبرها و ربها، و انه لم يفوّض أي شيء من تدبير الكون،- لا كله و لا بعضه- الى الاجرام السماوية، فتكون النتيجة: أن الخالق و المدبر واحد لا أن الخالق هو اللّه و المدبر شيء آخر.
(٢) و لقد وقع المفسرون، و الباحثون في معارف القرآن في خطأ، و التباس عند التعرض لمنطق «إبراهيم» (عليه السلام) و شرح حواره هذا، حيث تصوروا أن الخليل (عليه السلام) قصد نفي «ألوهية» هذه الأجرام يعني الالوهية التي تعتقد بها
[١] الأنعام: ٧٩.