تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣١٩ - أمين قريش في غار حراء
(١) و كأنّ صرح الكيان الإنساني (جبل) اختفت بين ثنايا صخوره و في بطونه احجار كريمة كثيرة و معادن ذهبيه ثمينة، فالوجود الإنساني هو الآخر قد اودعت فيه فضائل و علوم، و معارف و خصال، و اخلاق متنوعة.
فعند ما يغور الأنبياء و المهندسون الروحيّون في أعماق نفوسنا و ذواتنا و هم يعلمون جيدا أن نفوسنا معجونة بطائفة من الصفات و السجايا النبيلة و المشاعر و الاحاسيس الطيبة، و يعملون على اعادة نفوسنا- بتعاليم الدين و برامجه- الى جادة الفطرة المستقيمة السليمة فانهم في الحقيقة يذكّروننا بأحكام فطرتنا، و يسمّعوننا نداء ضمائرنا، و يلفتونها إلى الصفات، و الى الشخصية المودوعة فيها.
تلك هي رسالة الأنبياء، و ذلك هو عملهم الاساسي، و هذا هو دورهم في اصلاح النوع الإنساني، أفرادا و جماعات.
(٢)
أمين قريش في غار حراء:
يقع جبل «حراء» في شمال «مكة» و يستغرق الصعود إلى غار حراء مدة نصف ساعة من الزمان.
و يتألف ظاهر هذا الجبل. من قطع صخرية سوداء، لا يرى فيها أيّ أثر للحياة أبدا.
و يوجد في النقطة الشمالية من هذا الجبل غار يمكن للمرء أن يصل إليه و لكن عبر تلك الصخور، و يرتفع سقف هذا الغار قامة رجل، و بينما تضيء الشمس قسما منه، تغرق نواح اخرى منه في ظلمة دائمة.
و لكن هذا الغار يحمل في رحابه ذكريات كثيرة عن صاحب له طالما تردّد عليه، و قضى ساعات بل و أياما و أشهرا في رحابه ... ذكريات يتشوق الناس- و حتى هذا الساعة- الى سماعها من ذلك الغار، و لذلك تجدهم يسارعون إلى لقائه كلّما زاروا تلك الديار، متحملين في هذا السبيل كل عناء، للوصول إلى رحابه، لكي يستفسرونه عما جرى فيها عند وقوع حادثة: «الوحي» العظيمة و ليسألونه عن ما تحتفظ به ذاكرته من تاريخ رسول الإنسانية الاكبر ممّا جرت