تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٥٨٠ - مخاوف قريش المتزايدة
(١) ان في التاريخ الاسلامي نماذج كثيرة من هذا القبيل تدل على بطلان و تفاهة ما قاله أو روّجه المستشرقون حول أسباب تقدّم الاسلام و انتشاره، فان العامل المعتمد في جميع هذه الموارد لم يكن المال و التطميع، و لا السلاح و التهديد، كما ادعى المستشرقون، و ان الذين اسلموا في هذه الحوادث و الوقائع لا هم رأوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا أنهم التقوا أو اتصلوا به بنحو من الانحاء، انما كان السبب الوحيد هو: منطق الداعية الاسلامي القويّ و بيانه الساحر الجذاب، فهو الذي كان يفعل في النفوس فعله العجيب، خلال دقائق معدودة، لا في نفس شخص واحد فحسب، بل ربما في نفوس قبيلة بكاملها.
اجل انه المنطق القوي و الكلام المبرهن و الحجة البالغة لا سواها.
(٢)
مخاوف قريش المتزايدة:
لقد ايقظت حماية اليثربيين للمسلمين قريشا من غفلتها و نومها العميق مرة اخرى، و كانت بيعة العقبة الثانية بمثابة ناقوس خطر لها فبدأت أذاها و اضطهادها و مضايقتها لهم من جديد، و تهيأت للعمل على الحيلولة دون انتشار الاسلام و نفوذه و تقدمه في الجزيرة العربية، و بلغ ذلك الاذى مبلغا عظيما.
فشكى أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إليه ما يلقونه على أيدي المشركين من ضغوط و أذى، و استأذنوه في الهجرة الى مكان فاستمهلهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) اياما ثم قال:
«لقد اخبرت بدار هجرتكم و هي يثرب فمن اراد الخروج فليخرج إليها» [١].
و بعد الاذن بالهجرة من قبل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أخذ المسلمون يخرجون من مكة، و يتوجهون الى المدينة شيئا فشيئا و بحجج مختلفة لكي لا تمنعهم قريش من الهجرة.
[١] الطبقات الكبرى: ج ١ ص ٢٢٦.