تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٠٨ - الآية الرابعة عدم رجائه إلقاء الكتاب إليه
بالالتزام التفصيلي بالعقائد الحقة و الأعمال الصالحة، و قد سمّي العمل ايمانا في قوله تعالى: «وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ» [١] و المراد الصلوات التي اتى بها المؤمنون إلى بيت المقدس قبل النسخ و تحويل القبلة، و المعنى ما كان عندك قبل وحي الروح علم الكتاب بما فيه من المعارف و الشرائع و لا كنت متلبسا به بما أنت متلبس به بعد الوحي من الالتزام التفصيلي و الاعتقادي و هذا لا ينافي كونه مؤمنا باللّه، موحدا قبل البعثة صالحا في عمله، فان الذي تنفيه الآية هو العلم بتفاصيل ما في الكتاب و الالتزام بها اعتقادا و عملا، لا نفي العلم و الالتزام الاجماليين بالايمان باللّه، و الخضوع للحق [٢].
الآية الرابعة: عدم رجائه إلقاء الكتاب إليه
قال تعالى: «وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ» [٣].
استدلّوا بأن ظاهر الآية نفي علمه بالقاء الكتاب إليه، فلم يكن النبي راجيا لذلك واقفا عليه.
أقول: ان توضيح مفاد هذه الآية يتوقف على إمعان النظر في الجملة الاستثنائية اعني قوله: «الّا رحمة من ربّك» حتى يتضح المقصود، و قد ذكر المفسرون في توضيحها وجوها ثلاثة نأتي بها:
١- إن «إلّا» استدراكية، و ليست استثنائية فهي بمعنى «لكنّ» لاستدراك ما بقي من المقصود، و حاصل معنى الآية: «ما كنت يا محمّد ترجو فيما مضى أن يوحي اللّه إليك و يشرّفك بإنزال القرآن عليك، إلّا أن ربّك رحمك، و انعم به عليك و اراد بك الخير» نظير قوله سبحانه: «وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» [٤] اي و لكن رحمة من ربك خصّصك به و هذا هو المنقول
[١] البقرة: ١٤٣.
[٢] الميزان: ج ١٨ ص ٨٠.
[٣] القصص: ٨٦.
[٤] القصص: ٤٦.