تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٩٩ - ظاهرة الجدل العقيم في المجتمع الرومي
الروم و تفوّقها على إيران شاهدا على قدرتها العسكرية، و تفوّقها النظامي، بل يرون أن هزيمة إيران كانت بسبب الفوضى التي كان سائدة آنذاك في جهاز الحكم الايراني.
إن هاتين الدولتين اللتين كانتا تتربّعان على عرش السيادة و السياسة العالمية في مطلع ظهور الإسلام كانتا تعيشان حالة سيئة من الفوضى، و الهرج و المرج، و من البديهيّ أنّ مثل هذه الأوضاع كان من شأنها أن توجد حالة من التهيّؤ الكبير و الظمأ الشديد إلى دين صحيح يضع حدّا و نهاية لتلك الحالة، و يعيد تنظيم حياتهم.
(١)
ظاهرة الجدل العقيم في المجتمع الرومي:
المتعارف أن يعمد جماعة من البطّالين و الفسقة إلى طرح سلسلة من القضايا و المسائل الخاوية و النقاش حولها بهدف التوصّل إلى أغراض فاسدة، فيستهلكون بذلك أوقات الناس، و يهدرون أعمارهم على منحر الجدل العقيم.
و هي حالة لها مصاديق كثيرة و شواهد عديدة في كثير من بلاد المشرق، و لسنا بصدد التوسّع فيه فعلا.
و قد كانت «الروم» تعاني يومئذ من مثل هذه الحالة اكثر من اي مكان آخر.
فقد كان ملوك الروم و رجال الحكم و السياسة تبعا لمذاهب دينية كنسيّة- يعتقدون بأن المسيح ذو طبيعتين و مشيئتين، و لكن طائفة اخرى من النصارى و هم «اليعقوبية» كانوا يقولون بانه: ذو طبيعة و مشيئة واحدة.
و قد وجهت هذه المسألة الباطلة نفسها، و الجدل الواهي حولها ضربة شديدة الى وحدة الروم و من ثم استقلالها، و احدثت في صفوفها انشقاقا عميقا حيث كانت السلطات الحاكمة تضطر الى الدفاع عن معتقداتها، و لذلك كانت تضطهد معارضيها، و تلاحقهم و هذا الاضطهاد و الضغط الروحيّ سبّب في لجوء البعض الى الدولة الايرانية، كما كان هؤلاء هم الذين تركوا المقاومة عند