تعريب سيد المرسلين - جعفر الهادي - الصفحة ٣٣٠ - أبرز النظريات المادية لظاهرة الوحي
هو العكس عند المتعبين و السكارى و المرضى الذين يقل اهتمامهم بالحياة اليومية فيترك (الوعي) مكانه للاوعي، و تترك الشخصية الظاهرية المعطّلة مكانها للشخصية الباطنية.
و لذلك نجد بين آلاف العلماء و المفكرين مفكرا أو عالما واحد اتفق له في بداية عمره أن اهتدى بصورة لا شعورية إلى فكرة خاصة او نظرية معينة من دون سابق تفكير او استدلال قائم على الشعور.
و خلاصة القول أن تجلّي الشخصية الباطنية في الحياة الانسانية قضية نادرة جدا، و هي لا تحدث إلّا في ظروف خاصة مثل: المنامات و الاحلام و غيرها من التحولات الحياتية التي تقلل من توجّه الانسان الى العالم الخارجيّ و تصرف التفاته و توجّهه الى الشخصية الباطنية.
و لكن هذه الحالة و هذه الشرائط (أي الغافلة عن هموم الحياة اليومية الخارجية) لم تحصل للانبياء قط.
فالنبي الأكرم محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) كان طوال (٢٣ سنة) و هي أعوام الرسالة، مشتغلا كل الاشتغال بقضايا الحياة اليومية، فالنشاطات السياسية.
و التبليغية و قضايا الدعوة و القيادة كانت تهيمن على كل توجهه و اهتمامه و تملأ.
عقله و روحه و نفسه.
فالكثير من آيات الجهاد ترتبط بساحات القتال و الجهاد، و هذا يعني انه كان مشدودا بروحه و عقله كله إلى تلك الامور.
و ثالثا: ان هذه النظرية يمكن أن تصدق على نبوة الأنبياء، لو كان هؤلاء الأنبياء أفرادا متعبين، منهزمين، منتكسين، مرضى، معتزلين عن الحياة ليقال حينئذ ان هذه الحالات و الظروف مهّدت لانقطاعهم- (عليهم السلام)- عن هموم الحياة، و قضاياها، و بالتالي مهّدت لفعالية الشخصية الباطنية و عملها.
و لكن تاريخ الأنبياء يشهد بوضوح لا إبهام فيه، بانهم كانوا- طيلة حياتهم الرسالية- رجالا مجاهدين، لا يهمهم إلّا اصلاح المجتمعات و قيادة الجماعات و حل المشكلات الاجتماعية، و رفع مستويات الناس معنويا و فكريا و كانوا