تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣٤٤ - فزع فزع
٣٤٤
عنه، فسَبَقَ النَّاسَ، و رَجَعَ، و قال: لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تُرَاعُوا، ما رَأَيْنَا من شَيْءٍ، و إِنْ وَجَدْناهُ لبَحْراً» . أَي استَغَاثُوا و اسْتَعْرَضُوا، و ظَنُّوا أَنَّ عَدُوًّا أَحاطَ بهِم، فلمّا قالَ لهم النبيُّ صلّى اللََّه عليه و سلّم: «لَنْ تُرَاعُوا» سَكَن ما بِهِم من الفَزَعِ .
و الفَزَعُ أَيضاً: الإِغَاثَةُ ، و منه ١٤- قَوْلُه صلّى اللََّه عليه و سلّم للأَنْصَارِ : «إِنَّكُمْ لَتَكْثُرُونَ عندَ الفَزَعِ ، و تَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ» . أَي تَكْثَرُونَ عندَ الإِغَاثَةِ، و قَدْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ أَيْضاً: «عند فَزَعِ النّاسِ إِليْكُم لتُغِيثُوهُم» ضِدٌّ ، و من الأَوّلِ قولُ سَلاَمَةَ بنِ جَنْدَلٍ السَّعْدِيِّ:
كُنَّا إِذا ما أَتانَا صارِخٌ فَزِعٌ # كانَتْ إِجابَتُنَا قَرْعَ الظَّنابِيبِ [١]
و يُرْوَى: «كَانَ الصُّرَاخُ له» أَي: مُسْتَغِيثٌ، كذا فَسَّرَه الصّاغَانِيُّ، و قالَ الرّاغِبُ: أَي صَارِخٌ أَصابَهُ فَزَعٌ ، قال:
و مَنْ فَسَّرَه بالمُسْتَغِيثِ فإِنَّ ذََلِكَ تَفْسِيرٌ للمَقْصُودِ من الكَلامِ، لا لِلَفْظِ الفَزِعِ ، و من الثّانِي قَوْلُ الكَلْحَبَةِ [٢] :
و قُلْتُ لِكَأْسٍ: أَلْجِمِيها فإِنَّنَا # نَزَلْنَا الكَثِيبَ من زَرُودَ لِنَفْزَعَا [٣]
أَي لِنُغِيثَ و نُصَرِخَ مَن اسْتَغَاثَ بِنَا. قلتُ: و مِثْلُه للرّاعِي:
إِذَا مَا فَزِعْنَا أَوْ دُعِينَا لِنَجْدَةٍ # لبِسْنَا عَليْهِنَّ الحدِيدَ المُسَرَّدَا [٤]
و قَالَ الشَمّاخُ:
إِذَا دَعَتْ غَوْثَهَا ضَرَّاتُهَا فَزِعَتْ # أَطبَاقُ نَيٍّ على الأَثْبَاجِ مَنْضُودِ
يَقُول: إِذا قَلَّ لبَنُ ضَرَّاتِها، نَصَرَتْهَا الشُّحُومُ الَّتِي على ظُهُورِهَا، و أَغَاثَتْهَا، فأَمَدَّتْهَا باللَّبَنِ. فَزِعَ إِلَيْه ، و فَزِعَ مِنْهُ، كفَرِحَ، و لا تَقُل: فَزَعَهُ ، أَي كمَنَعَه، قالَ الأَزْهَرِيُّ: و العَرَبُ تَجْعَلُ الفَزَعَ فَرَقاً، و تَجْعَلُه إِغاثَةً للفَزِعِ [٥] المُرَوَّعِ، و تَجْعَلُه اسْتِغاثَةً.
أَو فَزِعَ إِليْهِم، كفَرِحَ: اسْتَغَاثَهُم، و فَزَعَهُم ، كمَنَع و فَرِحَ: أَغاثَهُمْ و نَصَرَهُمْ، كأَفْزَعَهُم ، ففِيه ثَلاثُ لُغَاتٍ:
فَزَعْتَ القَوْمَ، و فَزِعْتُهُم ، و أَفْزَعْتُهُم ، كُلُّ ذََلِكَ بمَعْنَى أَغْثْتُهُم.
قالَ ابنُ بَرِّيّ: ممّا يُسْأَلُ عنه، يُقَال: كيفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: فَزِعْتُه بمَعْنَى أَغثْتُه مُتَعَدِّياً، و اسمُ الفاعِلِ منه فَزِعٌ ، و هََذَا إِنّمَا جاءَ في نَحْوِ قَوْلِهم: حَذِرْتُه فأَنَا حَذِرُه، و اسْتَشْهَدَ سِيبَوَيْهٌ عليه بقَوْلِه:
«حَذِرٌ أُمُوراً [٦] ... »
و رَدُّوهُ عَلِيهِ، و قالُوا: البَيْتُ مَصْنُوعٌ. و قال الجَرْمِيُّ:
أَصلُهُ حَذِرْتُ مِنْهُ، فعُدِّيَ بإِسْقَاطِ «منه» قال: و هََذا لا يَصِحُّ في فَزِعْتُه -بمَعْنَى أَغَثْتُه-أَنْ يَكُونَ على تَقْدِيرِ مِنْ، و قد يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَزِعٌ مَعْدُولاً عن فَازِعٍ ، كما كانَ حَذِرٌ مَعْدُولاً عن حَاذِرٍ، فيَكُون مِثْلَ: سَمِعٍ مَعْدُولاً عن سامِعٍ، فيَتَعَدَّى بما تَعَدَّى سامِعٌ، قالَ: و الصَّوابُ في هََذَا أَنَّ فَزِعْتُه -بمَعْنَى أَغَثْتُه-بمَعْنَى فَزِعْتُ له، ثمّ أُسْقِطَتِ الَّلامُ:
لأَنَّهُ يُقَال: فَزِعْتُه ، و فَزِعْتُ له: قالَ: و هََذا هو الصَّحِيحُ المُعَوَّلُ عليه.
أَو فَزِعَ كَفَرِحَ: انْتَصَرَ ، و أَفْزَعَه هو: نَصَرَهُ.
و فَزِعَ إِلَيْهِ: لَجَأَ ، و منه ١٦- الحَدِيثُ : «كُنَّا إِذا دَهَمَنا أَمْرٌ فَزِعْنَا : إِليْهِ» . أَي لَجَأْنَا إِليْه، و اسْتَغَثْنَا به.
و ١٦- في حَدِيثِ الكُسُوفِ : « فَافْزَعُوا إِلى الصَّلاةِ» . أَي الجَأوا إِليْهَا، و اسْتَغِيثُوا [٧] بِهَا.
و ١٦- في الحَدِيثِ : «أَنَّه فَزِعَ من نَوْمِهِ مُحْمَرّاً وَجْهُه» . أَي:
هَبَ و انْتبَه، يُقَالُ: فَزِعَ مِنْ نَوْمِهِ و أَفْزَعْتُهُ أَنا، أَي نَبَّهْتُه ،
[١] ديوانه ص ٢٧٦ و انظر تخريجه فيه. و قوله صارخ هو المغيث و هو أيضاً المستغيث، من الأضداد، انظر الأضداد لابن الانباري ص ٨٠.
[٢] اسمه هبيرة من بني عرين بن يربوع، و الكلحبة لقبه.
[٣] الكامل للمبرد ١/٤ مع بيت آخر، و روايته:
فقلت لكأسٍ: ألجَميها فانما # حللت الكثيب من زوود لأفزعا
قوله كأس اسم جاريته، و قبل اسم ابنته، و انما أمرها بإلجام فرسه ليغيث.
[٤] ديوانه ص ٩٠ و انظر تخريجه فيه.
[٥] عن التهذيب و بالأصل «للفزوع» .
[٦] من بيتٍ في كتاب سيبويه ١/١١٣ و تمامه فيه:
حذر أموراً لا تُخاف و آمنُ # ما ليس منجيه من الأقدار
و يروى عن اللاحقي أنه قال: سألني سيبويه عن شاهد في تعدي فَعِل فعملت له هذا البيت، انظر الخزانة ٣/٤٥٦.
[٧] الأصل و النهاية و في اللسان: و استعينوا.